ليس يُحتاج في ترك هذين - أعني العبث والولع - والإضراب عنهما إلا إلى
[ ٧٧ ]
صحة العزم على تركمهما والاستيحاء والأنف منهما، ثم أخذ النفس بتذكر ذلك في أوقات العبث والولع، حتى يكون ذلك العبث والولع نفسه عنجه بمنزلة الرتيمة المذكرة. وقد حُكى عن بعض العقلاء من الملوك أنه كان يوَلَعُ ويعبث بشيء من جسده - أحسبه لحيته - فطال ذلك منه وكثر قول مَن يقرب إليه له فيه، فكأن السهو والغفلة يأبيان إلا ردَّة إليه. حتى قال بعض وزرائه ذات يوم يا أيها الملك جرِّد لهذا الأمر عزمةً من عزمات أولي العقل. فأحمر الملك واستشاط غضبا، ثم لم ير عائدا إلى شئ من ذلك البتة. فهذا الرجل أثارت نفسه الناطقة نفسه الغضبية بالحمية والأنف وصح العزم وتأكد في النفس الناطقة حتى أثر فيها أثرا قويا صار مذكرا به ومنبها له عليه متى غفل عنه. ولعمري إن النفس الغضبية إنما جعلت لتستعين بها الناطقة على الشهوانية متى كانت شديدة النزاع قوية المجاذبة عسرة الانقياد. وإنه يحق على العاقل أن يغضب ويدخله الأنف والحمية متى رأى الشهوة تروم قهره وغلبته على رأيه وعقله، حتى يذلها ويقمعها ويقفها على الكرة والصغار عند حكم العقل ويجبرها
[ ٧٨ ]
عليه. وإنه من العجب - بل مما لا يمكن بتّةً - أن يكون من يقدر على وم نفسه عن الشهوات مع ما لها من الدواعي والبواعث القوية يعسر عليه منعها من الولع والعبث وليس فيهما كبير شهوة ولا لذة. وأكثر ما يحتاج إليه في هذا الأمر التذكر والتيقظ لأنه إنما يكون في أكثر الأحوال مع السهو والغفلة فأما المذهب فإنه مما يحتاج فيه إلى كلام يبين به أنه عرض هوائي لا عقلي، وسنقول في ذلك قولا وجيزا مختصرا. أقول: إن النظافة والطهارة إنما ينبغي أن تعتبر بالحواس لا بالقياس ويجري الأمر فيهما بحسب ما يبلغه الإحساس لا بحسب ما يبلغه الوهم. فما فات الحواس أن تدرك منه نجاسة سميناه طاهرا، وما فاتها أن تدرك منه قذرا سميناه نظيفا. ومن أجل أنا نقصد هذين ونريدهما - أعني الطهارة والنظافة - إما للدين وإما للتقذر، وليس يضرنا ولا في واحد من هذين المعنيين ما فاته الحواس قلة من الشيء النجس والشيء القذر - وذلك أن الدين قد أطلق الصلاة في الثوب الواحد الذي قد ماسته أرجل الذبان الواقعة على الدم والعذرة. والتطهر بالماء الجاري ولو علمنا أنه مما يبال فيه، وبالراكد في البركة العظيمة ولو علمنا أن فيه قطرة من دم أو خمر - وليس يضرنا ذلك في التقذر - وذلك أن ما فات حواسنا لم نشعر به، وما لم نشعر به لم يخش أنفسنا منه، وما لم تخش أنفسنا منه فليس لتقذرنا معنى البتة - فليس يضرنا إذا الشيء النجس والقذر إذا كان مستغرقا فائتا لقلته، ولا ينبغي أن نفكر فيه ولا يخطر وجوده لنا على بال. وإن نحن ذهبنا نطلب الطهارة والنظافة على التحقيق والتدقيق وجعلناه وهميا لا حسيا لم نجد سبيلا أبدا إلى شئ طاهر ولا شئ نظيف على هذا الحكم. وذلك أن الأمواه التي نستعملها ليس بمأمون عليها
[ ٧٩ ]
تقذير الناس لها أو وقوع جيف السباع والهوام والوحش وسائر الحيوان وأزبالها وأذواقها فيها. فإن نحن استكثرنا من إفاضته وصبه علينا لم نأمن أن يكون الجزء الأخير هو الأقذر والأنجس. ولذلك ما وضع الله على العباد التطهر على هذه السبيل إذ كان ذلك مما ليس في وسعهم وقدرتهم. وهذا مما يبغض على المتقذر بالوهم عيشه إذ كان لا يصيب شيئا - يغتذي به وينقلب إليه - يأمن أن يكون فيه قذر مستغرق. وإن كانت هذه الأمور كما وصفنا لم يبق لصحب المذهب شئ يحتج به. وما أقبح بالعاقل أن يقيم على ما لا عذر له فيه ولا حجة له فيه ولا حجة له عنده لأن ذلك مفارقة للعقل ومتابعة الهوى الخالص المحض.