من أجل أنّ كل واحد منّا لا يمكنه منع الهوى محبةً منه لنفسه واستصوابًا واستحسانًا لأفعاله، وأن ينظر بعين العقل الخالصة المحضة إلى خلائقه وسيرته -لا يكاد يستبين ما فيه من المعايب والضرائب الذميمة، ومتى لم يستبين ذلك فيعرفه لم يُقلِع عنه إذ ليس يَشعُر به فضلًا عن أن يستقبحه ويعمل في الإقلاع
[ ٣٣ ]
عنه - فينبغي أن يُسند الرجل أمره في هذا إلى رجل عاقل كثير اللزوم له والكون معه، ويسأله ويضرع إليه ويؤكِّد عليه أن يُخبره بكل ما يعرفه فيه من المعايب، ويُعلمه أن ذلك أحبُ الأشياء إليه وأوقعها عنده، وأنّ المنّة عليه منه تعظم في ذلك والشكر يكثر، ويسأله أن لا يستحييه في ذلك ولا يجامله، ويعلمه أنه متى تساهل وضجع في شيء منه فقد أساء إليه وغشه واستوجب عليه اللائمة عليه. فإذا أخذ الرجل المشرف يُخبره ويُعلمه ما فيه وما ظهر وبان له منه لم يُظهر له اغتمامًا ولا استخزاءً، بل اظهر له سرورًا بما يستمع وتشوُّقًا إلى ما لم يستمع منه. فإن رآه في حالٍ ما قد كتمه شيئًا استحياءً منه أو قصّر في العبارة عن تقبيح ذلك أو حسنها لامه على ذلك وأظهر له اغتمامًا به، وأعلمه أنه لا يحب ذلك منه ولا يريد إلاّ التصريح وإعلامه ما يراه على وجهه. فإن وجده في حال أخرى قد
[ ٣٤ ]
زاد وأسرف في تقبيح شيء رآه منه وتهجينه لم يغضبه ذلك بل حمده عليه وأظهر له بِشرًا وسرورًا بما رآه منه. وينبغي أن يجِّدد سؤال هذا المشرف عليه حالًا بعد حال. فإن الأخلاق والضرائب الرديّة قد تحدث بعد أن لم تكن. وينبغي أن يستخبر ويتحسس ما يقول فيه جيرانه ومعاملوه وإخوانه وبماذا يمدحونه وبماذا يعيبونه، فإن الرجل إذا سلك في هذا المعنى هذا المسلك لم يكد يخفى عليه شئ من عيوبه وإن قلّ وخفى. فإن اتّفق له ووقع عدوٌّ ومنازع مُحب لإظهار مساويه ومعايبه لم يستدرك من قَبله معرفة عيوبه، بل إظطُرَّ واُلجِئ إلى الإقلاع عنها، إن كان ممّن لنفسه مقدار وممّن يحب أن يكون خيرًا فاضلًا. وقد كتب في هذا المعنى جالينوس كتابًا جعل رسمة "في الأخيار ينتفعون بأعدائهم"، فذكر فيه منافع صارت أليه من أجل عدوّ كان له. وكتب أيضًا "في تعرف الرجل عيوب نفسه" مقالةً قد ذكرنا نحن جوامعها وجملتها هنا. وفيما ذكرنا من هذا الباب كفاية وبلاغ، ومَن استعمله لم يزل كالقِدح مقوَّمًا مثقَّفًا