إن هذين العرضين وإن كانا عَرضين عقليين فإن فرطهما مع ما يجلب من
[ ٦١ ]
الألم والأذى ليس هو - في إقعادنا عن مطالبنا وقطعنا دونها - بدون تقصيرهما عما ذكرنا قبل حيث ذكرنا إفراط فعل النفس الناطقة. ولذلك ينبغي أن يكون العقل يريح الجسد منهما وأن ينيله من اللهو والسرور واللذة بقدر ما يبلغ له ما يصلحه ويحفظ عليه صحته لئلا يخور وينهد وينهك ويقطع بنا دون قصدنا. ومن أجل اختلاف طبائع الناس وعاداتهم تختلف مقادير احتمال الفكر والهم فيهم، فبعض يحتمل الكثير منهما غير أن يضر ذلك به، وبعض لا يحتمل. فينبغي أن يتفقد ذلك ويتدارك قبل أن يعظم وأن يتدرج إلى الازدياد منه ما أمكن، فإن العادة تعين على ذلك وتقوى عليه. وبالجملة فإنه ينبغي أن يكون نيلنا وإصابتنا من اللهو والسرور واللذة لا أنها لها لنفسها، بل لكي نتجدد ونقوى به على العدو في فكرنا وهمنا اللذين بهما نبلغ مطالبنا. فإنه كما قصد الرجل السائر في إعلاف دابته ليس إلى أن ينيلها لذاتها بل إلى أن يقويها على بلوغ مكانه ومستقره، فكذلك ينبغي أن يكون حالنا في الاشتغال بمصالح أجسادنا. فإنه إذا فعلنا ذلك وقدرناه هذا التقدير بلغنا مطالبنا في أسرع الأوقات التي يمكن في مثلها بلوغها، ولم نكن كالذي أهلك راحلته قبل بلوغه أرضه التي يؤمها بالحمل عليها والخرق بها، ولا كالذي شغل بإسمانها وإخصابها حتى فاته الوقت الذي كان ينبغي أن يكون قد وصل فيه إلى موضعه ومستقره. وسنأتي في ذلك بمثل آخر، أقول: لو أن رجلا أحب علم الفلسفة وآثرها حتى جعلها همه وشغل
[ ٦٢ ]
بها فكره، ثم رام أن يبلغ منها ما بلغ سقراطيس وأرسطوطاليس وثوفرسطس وأوذيمس وخروسبس وثامسطيس واسكندروس في مدة سنة مثلا، فأدام الفكر والنظر وأقل الغذاء والراحة - ومما يتبع ذلك ضرورة دوام السهر -، أقول إن هذا الرجل يقع إلى الوسواس والملنخوليا وإلى الدق والذبول قبل مضي تمام هذه المدة وقبل أن يقارب هؤلاء الذين ذكرناهم. وأقول لو أن رجلا آخر أحب أيضا استكمال علم الفلسفة على أنه إنما ينظر فيها في الوقت بعد الوقت إذا فرغ من أشغاله ومل من لذاته وشهواته، فإذا عرض له أدنى شغل أو تحركت فيه أدنى شهوة ترك النظر وعاد فيما كان فيه أولا، أقول إن هذا الرجل لا يستكمل علم الفلسفة في عمره ولا يقارب ذلك ولا يدانيه. فقد عدم هذان الرجلان مطلوبهما أحدهما من جهة الإفراط والآخر من جهة التقصير. ومن أجل ذلك ينبغي أن نعتدل في فكرنا وهمومنا التي نروم بها بلوغ مطالبنا لنبلغها ولا نعدمها من قبل تقصير أو إفراط.