قد قدمنا في أبواب من هذا الكتاب جمل ما يُحتاج إليه في هذا الباب، غير أنا من أجل شرف الغرض المقصود بهذا الباب وعِظَم نفعه مُفرِدوه بكلام يخصه وناظمون ما تقدم من النكت والمعاني فيه، وضامّون إليه ما نرى أنه يعين على بلوغه واستتمامه فنقول: إن من يريد تزيين نفسه وتشريفها بهذه الفضيلة وإطلاقها وإراحتها من الأسر والرق والهموم والأحزان التي تطرقه وتفضي به إلى الهوى الداعي إلى ضد الغرض المقصود بهذا الباب، ينبغي أن يتذكر ويخطر بباله أولا ما مر لنا في فضل العقل والأفعال العقلية، ثم ما ذكرنا في زم الهوى وقمعه ولطيف مخادعه ومكايده وما قلنا في اللذة وحددناها به، ثم ليجد التثبت والتأمل ويكرر قراءة ما ذكرنا في باب الحسد حيث قلنا إنه ينبغي للعاقل أن يتأمل أحوال الناس وما ذكرنا في صدر باب دفع الغم حتى يقتلها فهما وتستقر وتتمكن في نفسه، ثم ليقبل على فهم ما نقول في هذا الموضع
أقول: إنه من أجل ما لنا من التمثيل والقياس العقلي كثيرا ما نتصور
[ ٨٥ ]
عواقب الأمور وأواخرها فنجدها وندركها كأن قد كانت ومضت فنتنكب الضارة منها ونسارع إلى النافعة. وبهذا يكون أكثر حسن عيشنا وسلامتنا من الأشياء المؤذية الرديئة المتلفة. فحّق علينا أن نعظم هذه الفضيلة ونجلها ونستعملها ونستعين بها ونمضي أمورنا على إمضائها إذ كانت سبيلا إلى النجاة والسلامة ومفضلة لنا على البهائم الهاجمة على ما لا تتصور أواخره وعواقبه. فلننظر الآن بعين العقل البريء من الهوى في التنقل في الحالات والمراتب لنعلم أيها أصلح وأروح وأولى بالعقل طلبه ولزومه ونجعل مبدأ نظرنا في ذلك من هاهنا. فنقول: إن هذه الأحوال ثلاث، الحالة التي لم نزل عليها وربينا ونشأنا فيها، والتي هي أجل وأعلى منها، والتي هي أدنى وأخس منها. فأما أن النفس تؤثر وتُحبّ وتتعلق من أول وهلة بغير نظر ولا فكر بالحالة التي هي أجل وأعلى فذاك ما نجده من أنفسنا، غير أنا لا نأمن أن يكون ذلك ليس عن حكم العقل بل عن الميل وبدار الهوى. فلنستحضر الآن الحجج والبراهين ونحكم بعد بحسب ما توجبه فنقول: إن التنقل من الحالة التي لم نزل عليها المألوفة المعتادة لنا إلى ما هو أجل منها إذا نحن أزلنا عنها الاتفاقات النادرة العجيبة لا يكون إلا بالحمل على النفس وإجهادها في الطلب. فلننظر أيضا هل ينبغي لنا أن نجهد أنفسنا ونكدها في الترقي إلى ما هو أجل من حالتنا التي قد اعتدناها وألفتها أبداننا أم لا. فنقول: إن من نمى بدنه ونشأ ولم يزل معتادا لأن لا يؤمره الناس ولا تسير أمامه وخلفه
[ ٨٦ ]
المواكب إن هو اهتم واجتهد في بلوغ هذه الحالة فقد مال عن عقله إلى هواه وذلك أنه لا ينال هذه الرتبة إلا بالكد والجهد الشديد وحَملِ النفس على الهول والخطر والتغرير الذي يؤدي إلى التلف في أكثر الأحوال، ولن يبلغها حتى يصل إلى نفسه من الألم أضعاف ما يصل إليه مكن الالتذاذ بها بعد المنال. وإنما يخدعه ويغرُّه في هذه الحال تصوُّره نيل المطلوب من غير أن يتصور الطريق إليه كما ذكرنا عند كلامنا في اللذة. حتى إذا نال ووصل إلى ما أمل لم يلبث إلا قليلًا حتى يفقد الغبطة والاستمتاع بها، وذلك أنها تصير عنده بمنزلة سائر الأحوال المعتادة المألوفة، فيقل التذاذهُ بها وتشتد وتغلظ المؤن عليه في استدامتها والتحفظ بها ولا يمكنه الهوى من تركها والخروج عنها - كما ذكرنا عند كلامنا في زمّ الهوى - فإذا هو لم يربح شيئًا وخسر أشياءِ. وأما قولنا إنه لم يربح شيئًا فمن أجل أن هذه الحالة الثانية إذا هو ألفها واعتادها صارت عنده بمنزلة الأولى وسقط عنه سروره واغتباطه بها. وأما قولنا إنه خسر أشياء كثيرة فالعناء أولًا والخطر والتغرير الذي يُسلكه إلى هذه الحالة. ثم الجهد في حراستها والخوف من زوالها والغم عند فقدها والتعويد للنفس الكون فيها وطلب مثلها. وكذلك نقول في حالة تفوق الكفاف. وذلك أن مَن كان بدنُه معتادًا للغذاء اليابس واللباس المتوسط إن هو جهد نفسه حتى يتنقل عنهما إلى الغذاء اللين واللباس الفاخر فإن شدة التذاذه بهما تسقط عنه إذا اعتادهما حتى يصيرا عنده بمنزلة الأولين ويحصل عليه من فضل العناء والجهد في نيل هذين
[ ٨٧ ]
واستدامتها والخوف من تنقُّلهما عنه واعتياد النفس لهما ما كان موضوعا عنه قبل ذلك
وكذلك نقول في العز والجاه والنباهة وسائر المطالب الدنيائية إذ ليس من مرتبة تُنال ويُبلغ إليها إلا وُجد الاغتباط والاستمتاع بها يقل بعد نيلها ويصغر في كل يوم حتى يضمحل وتصير عند نائلها بمنزلة الحالة التي عنها انتقل ومنها ارتقى ويحصل عليه من أجلها فضل مؤن وغموم وأحزان لم تكن فيما مضى. وذلك أنه لا يزال يستقل لنفسه ما هو فيه ويجتهد في الترقي إلى ما هو أعلى منه ولا يصير إلى حالة ترضاها نفسه بتّةً بعد وصوله إليها وتمكنه منها. فأما قبل الوصول فقد يريه الهوى الرضى والقنوع بالحالة المقصودة، وذلك من أعظم خُدَعِهِ وأسلحته ومكايده في اجتهاده وجَرِّه إلى الحالة المطلوبة، حتى إذا حصلت له تطلّع إلى ما هو فوقها. ولا تزال تلك الحالة حاله ما صاحب الهوى وأطاعه، نحو ما قلنا في هذا الكتاب إنه من أعظم مكايد الهوى وخُدَعه، من أجل أن الهوى يتشبه في مثل هذه الأحوال بالعقل ويدلِّس نفسه ويوهم أنه عقلي لا هوائي وأن ما أراه خيرة لا شهوة بأن يدلِّى ببعض الحِجاج ويقنع بعض الإقناع، لكن إقناعه وحجته هذه لا يلبث إذا قوبلت بالنظر المستقيم أن تدحض وتبطل. والكلام في الفرق بين ما يريه العقل وبين ما يريه الهوى باب عظيم من أبواب صناعة البرهان ليس نقله إلى هذا الموضع اضطراريًا، لأنا قد لوحنا منه في غير موضع من كتابنا هذا يما نكتفي به في غرضه،
[ ٨٨ ]
ولأنا ذاكرون جُملًا منه مجزئةً كافيةً لِما يراد منه في بلوغ مغزى هذا الكتاب، فأقول: إن العقل يُرى ويختار ويؤثر الشيء الأفضل الأرجح الأصلح عند العواقب وإن كان على النفس منه في أوائله مؤنه وشدة وصعوبة. وأما الهوى فأنه بالضد من هذا المعنى، وذلك أنه يختار أبدًا ويؤثر ما يدفع به الشيء المؤذي المماس الملازق له في وقته ذلك وإن كان يُعقب مضرةً، من غير نظرٍ فيما يأتي من بعد ولا روية فيه. مثال ذلك ما ذكرنا قبل عند الكلام في زم الهوى من أمر الصبي الرمد المؤثر لأكل التمر واللعب في الشمس على أخذ الهليلج والحجامة ودواء العين. والعقل يرى صاحبه ما له وعليه، فأما الهوى فإنه يرى أبدًا ما له ويعمى عمّا عليه. ومثال ذلك ما يَعمى عنه الإنسان من عيوب نفسه ويبصر قليل محاسنه أكثر مما هي. ولذلك ينبغي للعاقل أن يتهم رأيه أبدًا في الأشياء التي هي له لا عليه ويظن به أنه هوى لا عقل ويستقصي النظر فيه قبل إمضائه. والعقل يرى ما برى بحجة وعذر واضح، وأما الهوى فإنه إنما يقنع ويرى بالميل والموافقة لا بحجة يمكن أن ينطق بها ويعبر عنها وربما تعلق بشيء منذ ذلك إذا أخذ يتشبه بالعقل، غير أنه حجاج ملجلج منقطع وعذر غير بين ولا واضح. ومثال ذلك حالة العشاق والذين قد أُغروا بالسكر أو بطعام رديء ضار وأصحاب المذهب ومن ينتف لحيته دائبًا ويعبث ويولع بشيء من بدنه، فإن بعض هؤلاء إذا سئل عن عذره في ذلك لم ينطق بشيء بتةً ولا كان عنده في نفسه شيء يمكن أن يحتج به أكثر من ميلٍ إلى ذلك الشيء وموافقته ومحبةٍ طبيعية غير منطقية. وبعضهم يأخذ ويحتج ويقول
[ ٨٩ ]
فإذا نقض عليه رجع إلى اللجلجة والتعلق بما لا معنى تحته واشتد ذلك عليه وغضب منه وأبلغ إليه ثم ينقطع ويثوب بعد ذلك. فهذه الجمل كافية في هذا الموضع من التحفظ من الهوى والمرور معه من غير علم به
وإذ قد بينا في الترقِّي إلى الرتب العالية من الجهد والخطر واطراح النفس فيما تغتبط ولا تُسر به إلا قليلًا، ثم تكون عليها منه أعظم المؤن والشدائد مما كان موضوعًا عنها في الحالة الأولى ولا يمكنها الإقلاع والرجوع عنه، فقد بان أن أصلح الحالات حالة الكفاف والتناول لذلك من أسهل ما يمكن من الوجوه وأسلمها عاقبةً، ووجب علينا أن نؤثر هذه الحالة ونقيم عليها إن كنا نريد أن نكون ممن سعد بعقله وتوقى به الآفات الرابصة الكامنة في عواقب اتباع الهوى وإيثاره ويكمل لنا الانتفاع بالفضل الإنسي، وهو النطق الذي قد فضلنا به على البهائم. فإن نحن لم نقدر ولم نملك الهوى هذه الملكة التامة التي نطرح معها عنا كل فاضل عن الكفاف فلا أقل من أن يقتصر مَن كان معه منا فضلٌ عن الكفاف على حالته المعتادة المألوفة ولا يكد نفسه ويجهدها ويخاطر بها في التنقل عنها. فإن اتفق لنا التمكن من حالة جليلة من غير جهدٍ للنفس ولا غرر بها فإن الأصلح والأولى ترك الانتقال إليها، لأنا لا نعدم منها الآفات التي عددناها العارضة لنا عن بلوغ الرتبة التي قصدناها بعد نيلها وبلوغها. فإن انتقلنا إليها فينبغي أن لا نغير شيئًا مما به قوام أجسادنا من المآكل
[ ٩٠ ]
والمشارب والملابس وسائر ما يتبع ذلك من حالاتنا وعاداتنا الأولى لئلا تكسب أنفسنا عادةَ فضلٍ من السرف وحالةً تطالبنا بها إن فقدت هذه الحالة الثانية، ولئلا يبلغ الغم إلينا بفقدها متى فقدت، وإلا كنا منحرفين عن عقولنا إلى هوانا وواقعين لذلك في البلايا التي ذكرناها