أمّا الرجال المذكورون الكبار الهمم والأنفس فإنهم يبعدون من هذه البليّة من نفس طبائعهم وغرائزهم. وذلك أنه لا شئ أشدّ على أمثال هؤلاء من
[ ٣٥ ]
التذلُّل والخضوع والاستكانة وإظهار الفاقة والحاجة واحتمال التجني والاستطالة. فهم إذا فكروا يلزم العُشاق من هذه المعاني نفروا منه وتصابروا وأزالوا الهوى عنه وإن بُلوا به، وكذلك الذين تلزمهم أشغال وهموم بليغة اضطرارية دنيائية أو دينية. فأما الخَنِثون من الرجال والغَزِلون والفُرّاغ والمُترفون والمؤثِرون للشهوات الذين لا يهمهم سواها ولا يريدون من الدنيا إلاّ إصابتها، ويرون فَوتها فَوتًا وأسفًا، وما لم يقدروا عليه منها حسرةً وشقاءً، فلا يكادون يتخلصون من هذه البلية لا سيما إن أكثروا النظر في قصص العُشاق ورواية الرقيق الغزِل من الشعر وسماع الشجي من الألحان والغناء. فلنقل الآن في الاحتراس من هذا العارض والتنبيه على مَخاتله ومكامنه بقدر ما يليق بغرض كتابنا هذا. ونقدِّم قبل ذلك كلامًا نافعًا مُعينًا على بلوغ غرض ما مرّ من هذا الكتاب وما يأتي بعده، وهو الكلام في اللذّة.
فنقول: إن اللذة ليست بشيء سوى إعادة ما أخرجه المؤذي عن حالته إلى حالته التي كان عليها. كرجل خرج من موضع كنين ظليل إلى صحراء ثم سار في شمس صيفية حتى مسّه الحر ثم عاد إلى مكانه ذلك، فإنه لا يزال يستلذ
[ ٣٦ ]
ذلك المكان حتى يعود بدنهُ إلى حالته الأولى، ثم يفقد ذلك الاستلذاذ مع عَود بدنه إلى الحالة الأولى، وتكون شدّة التذاذه بهذا المكان بمقدار شدّة إبلاغ الحرّ إليه وسرعة هذا المكان في تبريده. وبهذا المعنى حدّ الفلاسفة الطبيعيون اللذّة، فإنّ حدّ اللّذة عندهم هو رجوع إلى الطبيعة. ولأن الأذى والخروج عن الطبيعة ربما حدث قليلًا في زمان طويل، ثم حدث بعقبه رجوع إلى الطبيعة دفعةً في زمان قصير صار في مثل هذه الحال يفوتنا الحسُّ بالمؤذي ويتضاعف بيان الإحساس بالرجوع إلى الطبيعة، فنسمي هذه الحال لذةً. ويظّن بها مَن لا رياضة له أنها حدثت من غير أذى تقدمها، ويتصورها مفردةً خالصةً بريةً من الأذى. وليست الحال على الحقيقة كذلك بل ليس يمكن أن تكون لذّة بتّةً إلا بمقدار ما تقدمها من أذى الخروج عن الطبيعة. فإنه بمقدار أذى الجوع
[ ٣٧ ]
والعطش يكون بالالتذاذ بالطعام والشراب، حتى إذا عاد الجائع والعطشان إلى حالته الأولى لم يكن شئ أبلغ من عذابه من إكراهه على تناولهما بعد أن كانا ألذّ الأشياء عنده وأحبها إليه. وكذلك الحال في سائر الملاذّ فإن هذا الحد بالجملة لازمٌ لها ومحتوٍ عليها، إلا أن منها ما نحتاج في تبيين ذلك منه إلى كلام أدقّ وألطف وأطول من هذا. وقد شرحنا هذا في مقالة كتبناها "في مائية اللذة"، وفي هذا المقدار الذي ذكرناه هاهنا كفاية لما نحتاج إليه. وأكثر المائلين مع اللذّة المنقادين لها هم الذين لم يعرفوها على الحقيقة ولم يتصوروا منها إلا الحالة الثانية، أعني التي من مبدأ انقضاء فعل المؤذي إلى استكمال الرجوع إلى الحالة الأولى. ومن أجل ذلك أحبوها وتمَّنوا أن لا يخلوا في حال منها، ولم يعلموا أنّ ذلك غير ممكن لأنها حالة لا تكون ولا تُعرَف إلا بعد تقدُّم الأولى لها.
وأقول أنّ اللذّة التي يتصوروها العُشاق وسائرُ مَن كلِفَ بشيء وأُغرمَ به - كالعُشاق للترؤُّس والتملُّك وسائرِ الأمور التي يفرط ويتمكن حبها من نفوس بعض الناس حتى لا يتمنوا إلا إصابتها ولا يروا العيش إلاّ مع نيلها - عند تصوُّرهم نيل مرادهم عظيمةٌ مجاوزة للمقدار جدًا. وذلك أنهم إنما يتصورون إصابة المطلوب ونيله مع عظم ذلك في أنفسهم من غير أن يخطر ببالهم الحالةُ الأولى التي هي كالطريق والمسلك إلى نيل مطلوبهم. ولو فكروا ونظروا في وعورة هذا الطريق وخشونته وصعوبته ومخاطره ومهاويه ومهالكه لمرّ عليهم ما حلا وعظُم
[ ٣٨ ]
ما صغر عندهم في جنب ما يحتاجون إلى مقاساته ومكادحته.
وإذ قد ذكرنا جملة مائية اللذّة وأوضحنا من أين غلط مَن تصُرها محضةً بريةً من الألم والأذى فإنا عائدون إلى كلامنا ومنبِّهون على مساوئ هذا العارض أعني العشق وخساسته.
فنقول: إن العُشّاق يجاوزون حدّ البهائم في عدم ملكة النفس وزمّ الهوى وفي الانقياد للشهوات. وذلك أنهم لم يرضوا أن يصيبوا هذه الشهوة، أعني لذّ الباه - على أنها من أسمج الشهوات وأقبحها عند النفس الناطقة التي هي الإنسان على الحقيقة - من أيّ موضع يمكن إصابتها منه، حتى أرادوها من موضع مّا بعينه فضمّوا شهوةً إلى شهوة وانقادوا وذّلوا للهوى ذلًا على ذلّ وازدادوا له عبوديةً إلى عبوديّة. والبهيمة لا تصير من هذا الباب إلى هذا الحدّ ولا تبلغه، ولكنها تصيب منه بقدر ما لها في الطبع مما تطرح به عنها ألم المؤذي المَّهيج لها عليه لا غير، ثم تصير إلى الراحة الكاملة منه. وهؤلاء لمّا لم يقتصروا على المقدار البهيمي من الانقياد للطباع، بل استعانوا بالعقل - الذي فضّلهم الله على البهائم وأعطاهم إيّاه ليروا مساوئ الهوى ويزمّوه ويملكوه - في التسلُّق على لطيف الشهوات وخفّيها والتحُّيز لها والتّفوق فيها، وجب عليهم وحقَّ لهم ألاّ يبلغوا منها إلى غاية ولا يصيروا منها إلى راحة، ولا يزالوا متأذّين بكثرة البواعث عليها ومتحسِّرين على كثرة الفائت منها غير مغتبطين ولا راضين - لنزوع أنفسهم عنها وتعلُّق أمانيهم بما فوقها وبما لا نهاية له منها - بما نالوه أيضًا وقدروا عليه منها.
[ ٣٩ ]
ونقول أيضًا: إن العُشّاق مع طاعتهم للهوى وإيثارهم اللذّة وتعبدَّهم لها يحزنون من حيث يظنون أنهم يفرحون، ويألمون من حيث يظنون أنهم يلذّون. وذلك أنهم لا ينالون من ملاذهم شيئًا ولا يصلون إليه إلاّ بعد أن يمسّهم الهمّ والجهد ويأخذ منهم ويبلغ إليهم. وربما لم يزالوا من ذلك في كُرَب منُصِبة وغُصَصٍ متصلة من غير نيل مطلوبٍ بتّةً. والكثير منهم يصير لِدوام السهر والهم وفقد الغذاء إلى الجنون والوسواس وإلى الدِقّ والذبول. فإذا هم وقعوا من حِبال اللذة وشِباكها في الرديء والمكروه، وأدتّهم عواقبها إلى غاية الشقاء والتهلكة. وأمّا الذين ظنّوا أنهم ينالون لذّة العشق كَمَلاّ ويصيبونه مّمن ملكوه وقدروا عليه فقد غلطوا وأخطئوا خطًا بيّنًا. وذلك أنّ اللذّة إنما تكون إذا نيلة بمقدار بلاغ ألم المؤذي الباعث عليها الداعي إليها، ومَن ملك شيئًا وقدر عليه ضعف فيه هذا الباعث الداعي وهدأ وسكن سريعًا. وقد قيل قولًا حقًّا صدقًا إنّ كل موجود مملوك وكل ممنوع مطلوب ونقول أيضا: إن مفارقة المحبوب أمر لا بد منه اضطرارا بالموت، وإن سلم من سائر حوادث الدنيا وعوارضها المبددة للشمل المفرقة بين الأحبة. وإذا كان لا بد من إساغة هذه الغصة وتجرع هذه المرارة فإن تقديمها والراحة منها أصلح من تأخيرها والانتظار لها، لأن ما لا بد من وقوعه متى قُدّم أُزِيحَ مؤونة الخوف منه مدة تأخيره. وأيضا فإن منع النفس من محبوبها قبل أن يستحكم حُبّه ويرسخ فيها ويستولي عليها أيسر وأسهل. وأيضا فإن العشق متى
[ ٤٠ ]
انضم إليه الإلف عسر النزوع عنه والخروج منه، فإن بلية الإلف ليست بدون بلية العشق، بل لو قال قائل إنه أوكد وأبلغ منه لم يكن مخطئا، ومتى قصرت مدة العشق وقل فيه لقاء المحبوب كان أحرى أن لا يخالطه ويعاونه الإلف. والواجب في حكم العقل من هذا الباب أيضا المبادرة في منع النفس وزمِّها عن العشق قبل وقوعها فيه، وفطمها منه إذا وقعت قبل استحكامه فيها. وهذه الحجة يقال إن فلاطن الحكيم احتج بها على تلميذ له بلى بحب جارية فأخل بمركزه من مجلس مدارس فلاطن. فأمر أن يطلب ويؤتى به، فلما مثل بين يديه قال أخبرني يا فلان هل تشك في انه
لا بد لك من مفارقة حبتك هذه يوما ما؟ قال ما أشك في ذلك. فقال له فلاطن فاجعل تلك المرارة المتجرعة في ذلك اليوم في هذا اليوم، قال ما أشك في ذلك. فقال له فلاطن فاجعل تلك المرارة المتجرعة في ذلك اليوم، وأزح ما بينهما من خوف المنتظر الباقي بحاله الذي لابدّ من مجيئه وصعوبة معالجة ذلك بعد الاستحكام وانضمام الإلف إليه وعَضْدِه له. فيقال إنّ التلميذ قال لفلاطن إنّ ما تقول أيها السيد الحكيم حقٌ، لكني أجدُ انتظاري له سلوةً بمرور الأيام عنّي أخفُّ عليَّ. فقال له فلاطن وكيف وثقت بسلوة الأيام ولم تَخَفْ إلفها، ولم أمنت أن تأتيك الحالة المفرِّقة قبل السلوة وبعد الاستحكام، فتشتدّ بك الغُصّة وتتضاعف عليك المرارة. فيقال إن ذلك الرجل سجد في تلك الساعة لفلاطن وشكره ودعا له وأثنى عليه، ولم يعاود شيئًا مما كان فيه ولم يَظهر منه حزن ولا شوق، ولم يزل بعد ذلك لازمًا لمجالس فلاطن غيرَ مُخلٍّ بها بتّةً. ويقال إنّ
[ ٤١ ]
فلاطن أقبل بعد فراغه من هذا الكلام على وجوه تلامذته فلامهم وعذلهم في تركهم وإطلاقهم هذا الرجلَ وصَرْفَ كل همّته إلى سائر أبواب الفلسفة قبل إصلاح نفسه الشهوانية وقمعها وتذليلها للنفس الناطقة.
ولأن قومًا رُوعْنًا يعاندون ويناصبون الفلاسفة في هذا المعنى بكلام سخيف ركيك كسخافتهم وركاكتهم - وهؤلاء هم الموسومون بالظرف والأدب - فإنّا نذكر ما يأتون به في هذا المعنى ونقول فيه من بعده. إنّ هؤلاء القوم يقولون إنّ العشق إنما يعتاده الطبائعُ الرقيقة والأذهان اللطيفة، وإنه يدعو إلى النظافة واللباقة والزينة والهيئة. ويُشيعون هذا ونحوه من كلامهم بالغزل من الشعر البليغ في هذا المعنى، ويحتجّون بمن عشق من الأدباء والشعراء والسراة والرؤساء ويتخطونهم إلى الأنبياء. ونحن نقول: إنّ رقّة الطبع ولطافة الذهن وصفاءه يُعرَفان ويُعتبران بإشراف أصحابهما على الأمور الغامضة البعيدة والعلوم اللطيفة الدقيقة وتبيين الأشياء المشكلة الملتبسة واستخراج الصناعات المُجدِيَة النافعة.
ونحن نجد هذه الأمور مع الفلاسفة فقط، ونرى العشق لا يعتادهم ويعتاد اعتيادًا كثيرًا دائمًا أجلاف الأعراب والأكراد والأعلاج والأنباط. ونجد أيضًا من الأمر العامّ الكلّي أنه ليست أمة من الأمم أرقّ فطنةً وأظهر حكمةً من اليونانيين، ونجد العشق في جملتهم أقلّ ممّا في جملة سائر الأمم. وهذا يوجِب ضدَّ ما ادّعوه، أعني أنه يوجب أن يكون العشق إنما يعتاد أصحابَ الطبائع الغليظة والأذهان البليدة، ومَن قلّ فكره ونظره ورويته بادر إلى الهجوم على ما دعته إليه نفسه
[ ٤٢ ]
ومالت إليه شهوته. وأمّا احتجاجهم بكثرة مَن عشق من الأدباء والشعراء والسراة والرؤساء فإنا نقول: إنّ السروَ والرياسة والشعر والفصاحة ليست ممّا لا يوجد أبدًا إلاّ مع كمال العقل والحكمة، وإذا كان الأمر كذلك أمكن أن يكون العُشاق من هؤلاء من النقص في عقولهم وحكمتهم. وهؤلاء القوم لجهلهم ورعونتهم يحسبون أنّ العلم والحكمة إنما هو النحو والشعر والفصاحة والبلاغة، ولا يعلمون أنّ الحكماء لا يَعُدّون ولا واحدًا من هذه حكمةً ولا الحاذق بها حكيمًا، بل الحكم عندهم من عرف شروط البرهان وقوانينه واستدراك وبلغ من العلم الرياضي والطبيعي والعلم الإلهي مقدار ما في وسع الإنسان بلوغُه. ولقد شهدت ذات يوم رجلًا من متحذلقيهم عند بعض مشايخنا بمدينة السلام، وكان لهذا الشيخ مع فلسفته حظّ وافر من المعرفة بالنحو واللغة والشعر، وهو يجاريه وينشده ويبذخ ويشمخ في خلال ذلك بأنفه ويُطنب ويبالغ في مدح أهل صناعته ويرذل مَن سواهم، والشيخ في كل ذلك يحتمله معرفةً منه بجهله وعُجبه ويتبسّم إلى أن قال فيما قال: هذا والله العلم وما سواه ريح، فقال له الشيخ يا بنيّ هذا علم مَن لا علم له ويفرح به من لا عقل له. ثم أقبل عليّ وقال سل فتانا هذا عن شيء من مبادئ العلوم الاظطرارية، فإنه ممّن يرى أنّ مَن مهر في اللغة يمكنه الجواب عن جميع ما يُسئل عنه. فقلت خبَّرني عن العلوم أَظطرارية هي أم اصطلاحية؟ ولم أتمم التقسيم على تعمُّد، فبادر فقال العلوم كلها اصطلاحيه. وذلك أنه كان سمع أصحابنا يعيرون هذه العصابة أنّ علمهم
[ ٤٣ ]
اصطلاحي، فأحب أن يعيهم بمثل ما عابوه جهلًا منه بما لهم دونه في هذا الباب.
فقلت له فمَن علم أنّ القمر ينكسف ليلة كذا وكذا، وأن السقمونيا يُطلق البطن متى أُخذ، وأن المرداسنج يذهب بحموضة الخلّ متى سُحق وطُرح فيه إنما صحّ له علم ذلك من اصطلاح الناس عليه؟ فقال لا. فقلت فمن أين عُلم ذلك؟ فلم يكن فيه من الفضل ما يبين عمّا به نحوتُ. ثم قال فإني أقول إنها كلها اضطرارية، ظنًّا منه وحسبانًا أنه يتهيأ له أن يُدرج النحو في العلوم الاضطرارية. فقلت له خبِّرني عمّن عُلم أنّ المنادى بالنداء المفرد مرفوع وأن المنادى بالنداء المضاف منصوب، أعُلم أمرًا اضطراريًّا طبيعيًا أم شيئًا مصطلحًا باجتماع من بعض الناس عليه دون بعض؟ فلجلج بأشياء يروم بها أن يُثبت أنّ هذا الأمر اضطراري ممّا كان يسمعه من أستاذيه، فأقبلت أُريه تداعيه وتهافُتَه مع ما لحقه من استحياءٍ وخجل شديد واغتنام. وأقبل الشيخ يتضاحك ويقول له ذُق يا بنيّ طعم العلم الذي هو على الحقيقة علم. وإنما ذكرنا من هذه القصّة ما ذكرنا ليكون أيضًا من بعض المنبِّهات والدواعي إلى الأمر الأفضل، إذ ليس لنا غرض في هذا الكتاب إلاّ ذاك ولسنا نقصد - بما مرّ من كلامنا هذا من الاستجهال والاستنقاص - لِجميع من عُني بالنحو والعربيّة واشتغل بهما وأخذ منهما، فإن فيهم مَن قد جمع الله له إلى ذلك حظًّا وافرًا من العلوم، بل للجهّالِ من هؤلاء الذين لا يرون أنّ علمًا موجود سواهما ولا أنّ أحدًا يستحق أن يسمَّى عالمًا إلاّ بهما
[ ٤٤ ]
وقد بقي علينا من حجاج القوم شئ لم نقل فيه قولًا، وهو احتجاجهم لتحسين العشق بالأنبياء وما بُلُوا به منه. فنقول: إنه ليس من أحد يستجيز أن يُعَد العشق منقبةً من مناقب الأنبياء ولا فضيلةً من فضائلهم ولا أنه شئ آثروه واستحسنوه، بل إنما يُعَدّ هفوةً وزلةً من هفواتهم وزلاّتهم. وإذا كان ذلك كذلك فليس لتحسينه وتزيينه ومدحه وترويجه بهم وجه بتّةً، لأنه إنما ينبغي لنا أن نحث أنفسنا ونبعثها من أفعال الرجال الفاضلين على ما رضوه لأنفسهم واستحسنوه لها وأحبوا أن يُقتدى بهم فيه، لا على هفواتهم وزلاّتهم وما تابوا منه وندموا عليه وودّوا أن لا يكون ذلك جرى عليهم وكان منهم. فأما قولهم إنّ العشق يدعو إلى النظافة واللباقة والهيئة والزينة، فما يُصنع بجمال الجسد مع قبح النفس، وهل يحتاج إلى الجمال الجسداني ويجتهد فيه إلاّ النساء وذوو الخُنث من الرجال؟ ويقال إن رجلًا دعا بعض الحكماء إلى منزله، وكان كل شئ له من آلة المنزل على غاية السرور والحسن، وكان الرجل في نفسه على غاية الجهل والبله والفدامة. ويقال إنّ ذلك الحكيم تأمل كل شئ في منزله ثم إنه بصق على الرجل نفسه. فلما استشاط وغضب من ذلك قال له لا تغضب، فإني تأمّلت جميع ما في منزلك وتفقّدته فلم أر فيه أسمج ولا أرذل من نفسك، فجعلتها موضعًا للبصاق باستحقاق منها لذلك. ويقال إنّ ذلك الرجل بعد ذلك استخّفّ بما كان فيه وحرص على العلم والنظر.
[ ٤٥ ]
ولأنا قد ذكرنا فيما مر من كلامنا قُبَيلُ الإلفَ فإنا قائلون في هائيته والاحتراس منه بعض القول، فنقول: إنّ الإلف هو ما يحدث في النفس عن طول الصحبة من كراهية مفارقة المصحوب، وهي أيضًا بليّة عظيمة تنمى وتزداد على الأيام ولا يُحَس بها إلاّ عند مفارقة المصحوب، ثم يظهر منها حينئذ دفعةً أمرٌ مؤذٍ للنفس جدًا. وهذا العارض يعرض للبهائم أيضًا إلاّ أنه في بعضها أوكد منه في البعض. والاحتراس منه يكون بالتعرُّض لمفارقة المصحوب حالًا بعد الحال، وأن لا يُنسى ذلك ويُفعل البتّة بل تُدرَّج نفسه إليه وتُمرَّن عليه.
وقد بيّنّا من هذا الباب ما فيه كفاية، ونحن الآن قائلون في العُجب.