فنقول إنه قد يظهر من أمر وجود صور المعقولات للإنسان أنها فيه على نحو مباين لوجود سائر الصور النفسانية فيه، إذ كانت هذه الصور وجودها في موضوعها المشار إليه غير وجودها المعقول، في ذلك أنها واحدة من حيث هي معقولة ومتكثرة من حيث هي شخصية وفي هيولى.
[ ٢٢ ]
وأما صور المعقولات فقد يظن أن وجودها المعقول هو نفس وجودها المشار إليه، وأن كان المعقول منها غير الموجود فعلى جهة هي غير الجهة التي بها نقول في سائر الصور أن الموجود منها غير المعقول، إلا أنه أن كأن المعقول منها غير الموجود على أي وجه كان فهي كاذبة فاسدة، وأن كان المعقول منها هو الموجود فهي ضرورة مفارقة أو فيها شيء يفارق، إلا أنه ليس يلزم من وضعنا أن المعقول يخالف الموجود منها بجهة غير الجهة التي بها يخالف المعقول من سائر الصور الموجودة منها أن تكون مفارقة، إذ كان لم يتبين من هذا القول، أو انه ليس لها نسبة خاصة إلى الهيولى بل أنما تبين من ذلك أنه أن كان لها نسبة فهي غير النسبة التي لتلك الصور، ولعل تلك النسبة تخص بعض الصور الهيولانية.
ومما يباين أيضًا فيه هذه المعقولات سائر الصور النفسانية أن إدراكها غير متناه على ما تبين من أمر الكلي وسائر القوى إدراكها متناه.
وقد ظن أيضًا من هذا أنها غير هيولانية أصلًا، وليس في هذا كفاية في أنها أيضًا مفارقة بالكل، إذ كان التصور للقوة الناطقة غير الحكم والتصديق لكونهما فعلين متباينين، وذلك أن التصور بالعقل إنما هو تجريد الصورة من الهيولى، وإذا تحررت الصورة من الهيولى ارتفعت عنها الكثرة الشخصية، وليس يلزم عن ارتفاع الكثرة الشخصية الهيولانية ارتفاع الكثرة أصلًا. فإنه ممكن أن تبقى هنالك كثرة بوجه ما، لكن من جهة أنها تجرد الصور من كثرة محدودة ولحكم حكمًا على كثرة غير متناهية، وقد يجب أن يكون هذا الفعل لقوة غير هيولانية، لأنه أن كان واجبًا أن يكون إدراك الصور المفارقة لغير متناه وجب أن يكون إدراك الصور الهيولانية لمتناه وحكمها على متناه. وإذا كان حكم الصور الهيولانية على متناه فما هو حكم على غير، متناه فهو ضرورة غير هيولاني، إذ كان الحكم على الشيء إدراك له أو من قبل طبيعة مدركة له.
فمن هذا يظهر لعمري أن هذه القوة التي فينا غير هيولانية، إلا أنه لم يتبين بعد أن هذا الحكم هو لهذه المعقولات الكلية، بل لعلة لقوة أخرى تتنزل من هذه المعقولات منزلة الصورة.
ومما يخص أيضًا هذا الإدراك العقلي أن الإدراك فيه هو المدرك، ولذلك قبل أن العقل هو المعقول بعينه، والسبب في ذلك أن العقل عندما يجرد صورة الأشياء المعقولة من الهيولى ويقبلها قبولًا هيولانيًا يعرض له أن يعقل ذاته، إذا كانت ليست تصير المعقولات في ذاته من حيث هو عاقل بها على نحو مباين لكونها معقولات أشياء خارج النفس. وليس الأمر في الحس كذلك، وإن كان يتشبه بالمحسوسات، فإنه ليس يمكن فيه أن يحس ذاته حتى يكون الحس هو المحسوس، إذ كان إدراكه للمعنى المحسوس إنما هو من حيث يقبله في هيولى. ولذلك يصير المعنى المنتزِع في القوة الحسية مغايرًا بالوجود لوجوده في المحسوس، ومقابلًا له على ما شانه أنه يوجد عليه الأمور المتقابلة في باب المضاف.
وبين أن هذا إنما عرض له من جهة أن قبول المعقول لم يكن قبولًا هيولانيًا شخصيًا، لكن أن كان هاهنا العقل هو المعقول نفسه من جميع الوجوه على مثال على ما يظن به الأمر في المفارقات حتى لا تكون له نسبة إلى الهيولى بوجه من اوجه النسب بها، يتصور أن يكون العاقل غير المعقول بوجه ما كان ضرورة فعلًا دائمًا، وبين أن هذا لم يتبين بعد مما وضع هاهنا من مباينة للحس.
ومما يخص هذه المعقولات أيضًا أن إدراكها ليس. يكون بانفعال كالحال في الحس، ولهذا متى أبصرنا محسوسًا قويًا ثم انصرفنا عنه لم نقدر في الحين أن نبصر ما هو أضعف والمعقولات بخلاف ذلك.
والسبب في ذلك أن الحس لما كانت تبقى من صور المحسوسات فيه بعد انصرافها عنه آثار ما شبيهة بالصور الهيولانية لم يمكن فيه أن تقبل صورة أخرى حتى تمحى عنه تلك الصورة وتذهب، وهذا أيضًا إنما عرض له من جهة النسبة الشخصية.
[ ٢٣ ]
ومنها أن العقل يتزيد مع الشيخوخة وسائر قوى النفس بخلاف ذلك. وأكثر هذه الأحوال الخاصة بالمعقولات إذا تؤملت ظهر أن السبب في وجودها كون المعقولات عامة النسبة الشخصية التي توجد لسائر قوى النفس، وهي أن لا تكون للمعقول، منها في غاية المقابلة للموجود على ما عليه الأمر في الصور الشخصية، ولهذا متى استعملنا هذه الخواص دلائل لم تفض بنا إلى أكثر من هذه المعرفة. وأما متى أردنا أن نجعلها دلائل على وجود هذه المعقولات فعلًا محضًا ودائمًا كنا قد استعملنا في ذلك المطلوب المتأخرات التي ليس يلزم عن وجودها وجود المتقدم، بمنزلة من قال أن الكواكب نار لأنها مضيئة. وذلك أن كل ما هو بالفعل دائمًا قد عدم صورة النسبة الشخصية التي توجد لسائر قوى النفس، وليس ينعكس هذا حتى يلزم أن كل ما عدم هذه النسبة فهو موجود بإلفعل، وذلك بين لمن زاول صناعة المنطق.
فإذن الذي غلط من قال من هذه الأشياء بمفارقة المعقولات هو موضع اللاحق.
وإذا كان هذا هكذا وظهر أنه ليس في هذه الأمور الخاصة بالمعقولات ما تبين بها أنها موجودة دائمًا فعلًا فلننظر هل تلحقها الأمور الخاصة بالصور الهيولانية بإطلاق أم لا، وقد قلنا أن ذلك شينان: أحدهما أن يكون وجود الصور تابعًا لتغير بالذات وبذلك تكون حادثة، والثاني أن تكون متكثرة بتكثر الموضوعات تكثرًا ذاتيًا لا تكثرًا عرضيًا، بل ما يتوهمه أصحاب التناسخ بأي وجه اتفق مات أوجه التكثر.
فنقول إنه إذا تؤمل كيف حصول هذه المعقولات لنا وبحاصة المعقولات التي تلتئم منها المقدمات التجربية ظهر أنا مضطرون في حصولها لها أن نحس أولًا ثم نتخيل، وحينئذ يمكننا أخذ الكلي. ولذلك من فاتته حاسة ما من الحواس فاته معقول ما. فإن الأكمه ليس يدرك معقول اللون أبدًا، ولا يمكن فيه إدراكه، وأيضًا فإن من لم يحس أشخاص نوع ما لم يكن عنده معقولة، كالحال عندنا في الفيل. وليس هذا فقط بل يحتاج مع هاتين القوتين إلى قوة الحفظ وتكرر ذلك الإحساس مرة بعد مرة حتى ينقدح لنا الكلي. ولهذا صارت هذه المعقولات إنما تحصل لنا في زمان، وكذلك يشبه أن يكون الحال في الجنس الآخر من المعقولات التي لا ندري متى حصلت ولا كيف حصلت إلا أن تلك لما كانت أشخاصها مدركة لنا من أول الأمر لم نذكر متى اعترتنا فيها هذه الحال التي تعترينا في التجربية، وهذا ظاهر بنفسه. فإن هذه المعقولات ليست جنسًا آخر من المعقولات مباين للتجربية، ولذلك ما يجب أن يكون حصولها بجهة واحدة.
وبالجملة فيظهر أن وجود هذه المعقولات تابعة للتغير الموجود في الحس والتخيل تباعدًا ذاتيًا على جهة ما تتبع الصور الهيولانية التغيرات المتقدمة عليها، وإلا أمكن أن نعقل أشياء كثيرة من غير أن نحسها، فكأن يكون التعلم تذكرًا كما يقول أفلاطون.
وذلك أن هذه المعقولات متى فرضناها موجودة بالفعل دائمًا، ونحن على الكمال الأخير من الاستعداد لقبولها، وذلك مثلًا في الكهولة، فما بالنا ليت شعري إلا يكون في تصور دائمًا وتكون الأشياء كلها لنا معلومة بعلم أولي.
وغاية ما نقول في ذلك متى فأتنا منها معقول ما ثم أدركناه أن إدراكه تذكر لا حصول معرفة، لم تكن قبل بالفعل لنا حتى يكون تعلم الحكمة عبثًا، وهذا كله بين السقوط بنفسه، ولذا كان وجود هذه المعقولات تابعًا لتغير بالذات فهي ضرورة ذات هيولى، وموجودة أولًا بالقوة وثانيًا بالفعل، وحادثة فاسدة، إذ كل حادث فاسد على ما تبين في آخر الأولى من السماء والعالم.
وقد يظهر أيضًا أنها متكثرة بتكثر الموضوعات ومتعددة بتعددها، وهو الأمر الأخر الذي تخص الصور الهيولانية بما هي هيولانية من أن هذه المعقولات إنما الوجود لها من حيث نستند إلى موضوعاتها خارج النفس، ولذلك ما كان هنا صادقًا كان له موضوع خارج النفس يستند كلية إلى صورته المتخيلة، وما لم يكن له موضوع كغزايل وعنقا مغرب كان كاذبًا بالكون الصور المتخيلة منه كاذبة.
[ ٢٤ ]
وبالجملة فيظهر ظهورًا، أوليًا أن بين هذه الكليات وخيالات أشخاصها الجزئية إضافة ما بها صارت الكليات موجودة، إذ كان الكلي إنما الوجود له من حيث هو كلي بما له جزئي، كما أن الأب إنما هو أب من حيث له ابن، واتفق لهما مع أن كانا من المضاف أن كانت أسماؤهما تدل عليهما من حيت هما مضافان، ومن خواص المضافين كما قيل في غير ما موضع أن يوجدا. معًا بالقوة أو بالفعل، ومتى وجد أحدهما وجد الآخر، ومتى فسد أحدهما فسد الآخر، وذلك ظاهر بالتأمل فإن الأب إنما هو أب بالفعل ما كان له ابن موجود، وكذلك الابن بما هو ابن ما كان له أب، وإنما كان يمكن أن لا تستند هذه الكليات إلى موضوعاتها لو كانت موجودة بالفعل خارج النفس، على ما كان يراه أفلاطون، وهو من البين أن هذه الكليات ليس لها وجود خارج النفس مما قلناه، وأن الوجود منها خارج النفس إنما هو أشخاصها فقط.
وقد عدد أرسطو فيما بعد الطبيعة المحالات اللازمة عن هذا الوضع وباستناد هذه الكليات إلى خيالات أشخاصها صارت متكثرة بتكثرها، وصار معقول الإنسان مثلًا عندي غير معقول عند أرسطو. فإن معقولة عندي إنما أشد إلى خيالات أشخاص غير الأشخاص التي استند إلى خيالاتها معقولة عند أرسطو، وباتصال هذه المعقولات بالصور الخيالية اتصالًا ذاتيًا يلحقها النسيان لذهاب الصور الخيالية، ويلحقنا نحن عندما نفكر بها الكلال ويختل إدراك من فسد تخيله. وبالجملة فمن هذه الجهة تلحق المعقولات الأمور التي ترى بها أنها هيولانية لا المحاطة التي يزعم من يقول بوجودها فعلًا دائمًا، فإن هذا القول إنما شأنه أن يفيد من التصور في إعطاء سبب هذه اللواحق المقدار الذي تفيده الأقاويل الشعرية.
وأيضًا لو أنزلنا هذه الكليات غير متكاثرة بتكثر خيالات أشخاصها المحسوسة للزم عن ذلك أمور شنيعة، منها أن يكون كل معقول حاصل عندي حاصلًا عندك حتى يكون متى تعلمت أنا شيئًا ما تعلمته أنت ومتى نسيته أنا نسيته أنت أيضًا، بل ما كان يكون هاهنا تعلم أصلًا ولا نسيان وكانت تكون علوم أرسطو كلها موجودة بالفعل لم يقرأ كتبه بعد، وهذا كله ظاهر بنفسه والتطويل فيه عناء.
فقد تبين من هذا القول أن هذه المعقولات تابعة لتغير وإنها متكثرة بتكثر موضوعاتها، لكن على غير الجهة التي تتكثر بها الصور الشخصية، وتبين أنها ذات هيولى وإنها حادثة فاسدة لكن من جهة أنها هيولانية ومشار إليها قد يلزم ضرورة أن تكون مركبة من شيء يجري منها مجرى المادة وشيء يجري منها مجرى الصورة. فأما الشيء الذي يجري منها مجرى الصورة فإنه إذا تؤمل ظهر منه أنه غير كاين ولا فاسد وذلك بين بمقدمات.
إحداها: أن كل صورة معقولة فهي إما هيولانية وإما غير هيولانية.
والثانية: أن كل صورة هيولانية فإنما هي معقولات بالفعل إذا عقلت، وإلا فهي معقولة بالقوة.
والثالثة: أن كل صورة غير هيولانية فهي عقل سواء عقلت أو لم تعقل.
والرابعة والخامسة: عكس هاتين المقدمتين، وهي أن كل صورة تكوِن معقولة بأن تعقل فهي هيولانية وأن كل صورة تكون في نفسها عقلًا وإن لم تعقل فهي غير هيولانية.
فإذا تقررت لنا هذه المقدمات وهي بينة من طبيعة العقل والمعقول، قلنا هذه الصورة التي هي صورة المعقولات النظرية واجب أن تكون غير هيولانية، لأنها عقل في نفسها سواء عقلناها نحن أو لم نعقلها. إذ كانت صورة الشيء هبر في وجوده عقل ولو أنزلناها معقولة بالفعل من جهة وبالقوة من جهة يلزم أن يكون هنالك عقل آخر متكون فاسد، وهو الشيء الذي صارت به معقولة بالفعل بعد أن كانت بالقوة، فيعود السؤال أيضًا في هذا العقل هل هو معقول بالفعل من جهة وبالقوة من جهة، فإن فرضناه كذلك لزم أن يكون هنالك عقل ثالث، فيعود السؤال أيضًا في هذا العقل الثالث. ولذلك ما يجب أن يكون المعقول من العقلي الذي بالفعل هو الموجود منه نفسه لا غير الموجود، كالحال في الصور الهيولانية التي هي معقولة بالقوة، وإلا وجدت عقول إنسانية غير متناهية.
فأما أن تصورها ممكن فذلك سيبين من قولنا بعد، فمن هنا يظهر أن في المعقولات جزءًا فانيًا وجزءًا باقيًا، ولذلك اضطرب نظر الناظرين فيها.
وإذ قد تبين أن في المعقولات جزءًا باقيًا وجزءًا فانيًا وكان كل كاين له هيولى فلننظر ما جوهر هذه الهيولى وأي رتبة رتبتها.
[ ٢٥ ]
فنقول أما من يضع هذه المعقولات موجودة بالفعل دائمة وأزلية فليس لها هيولى إلا على التشبيه والتجوز، إذ كانت الهيولى هي أخص أسباب الحدوث. وذلك أن معنى الهيولى على هذا الرأي ليس يكون شيئًا أكثر من الاستعداد الحادث الذي به يمكن أن نتصور هذه المعقولات وندركها لا على أن هذا الاستعداد هو أحد ما تتقوم به هذه المعقولات إذن قبلها، كالحال في الاستعداد الهيولاني الحقيقي. ولذلك قد يمكن أن نتصور هذا الاستعداد حادثًا والمعقولات التي تقبلها أزلية على هذه الجهة، وهي الجهة التي ينبغي أن يقول بها كل من يضع هذه المعقولات موجودة دائمًا ويتصل بها.
وأما ثامسطيوس وغيره من قدماء المفسرين فهم يضعون هذه القوة التي يسمونها العقل الهيولاني أزلية، ويضعون المعقولات الموجودة فيها كائنة فاسدة لكونها مرتبطة بالصور الخيالية. وأما غيرهم مما نحا نحو ابن سينا وغيره فإنهم يناقضون أنفسهم فيما يضعون وهم لا يشعرون أنهم يناقضون، وذلك أنهم يضعون مع وضعهم أن هذه المعقولات موجودة أزلية أنها حادثة وإنها ذات هيولى أزلية أيضًا.
ولست أدري ما أقول في هذا التناقض فإن ما كان بالقوة ثم وجد بالفعل فهو ضرورة حادث فاسد، اللهم إلا أن يعني بالقوة هاهنا المعنى الذي قلناه فيما تقدم وهو كون المعقولات مغمورة بالرطوبة فينا ومعوقة عن أن نتصورها لا على أنها في ذاتها معدومة اصلًا،، فيكون قولنا فيها إنها ذات هيولى بالمعنى المستعار، لكن نجدهم يرومون أن يلزموها شروط الهيولى الحقيقية وبخاصة ثامسطيوس، وذلك أنه يقول ولما كان كل ما هو بالقوة شيئًا واجبًا ألا يكون فيه شيء من الفعل الذي هو قوي عليه، كالحال في الألوان والبصر، فإنه لو كان البصر ذا لون لما أمكن فيه أن تشبه بالألوان ويقبلها، إذ كان يعوقها اللون الخاص فيه. ولذلك زعم يلزم أن لا يكون في العقل الهيولاني شيء من الصور التي توجد فيه بعد بالفعل.
وأنا أقول ليت شعري هذه الهيولى الموجود فيها، هذا الاستعداد لقبول المعقولات هل يزعمون، أنها شيء ما أم لا، ولا بد لهم من ذلك، فإن نفس الإمكان والاستعداد الحادث مما يحتاج ضرورة إلى موضوع كما تلخص في الأولى من السماع، وإذا كانت شيئًا ما في ضرورة فعلًا، إذ الموضوع الذي ليس فيه شيء من الفعل أصلًا هي المادة الأولى، وليس يمكن أن تفرض المادة الأولى هي القابلة لهذه المعقولات. وإذا كانت شيئًا ما بالفعل فهي ضرورة إما جسم وإما نفس وإما عقل، إذ كان سيظهر فيما بعد أنه ليس هاهنا وجود رابع وهو ممتنع أن يكون جسمًا مما تقدم من القول في أمر هذه المعقولات، وأن فرضناها نفسًا فهي ضرورة كائنة فاسدة، وإذا كانت هي فاسدة فالاستعداد الموجود فيها أحرى بالفساد، وإذا لم يكن جسمًا ولا نفسًا فهي ضرورة عقل، وهو الذي يظهر من قولهم، لكن أن كانت عقلًا فهي بالفعل موجودة من نوع ما هي قوة عليه وهذا مستحيل، فإن القوة والفعل متناقضان.
وليس ينجي من هذا الإلزام أن نضع بعض هذه الهيولى قوة وبعضها فعلًا، فإن الصورة غير منقسمة الوجود، اللهم إلا بالعرض. أو يضع واضع أن التغير في الجوهر من باب التغير في الكمية وهذا مستحيل، فلذلك ما يلزم من يضع هذه المعقولات أزلية أن لا يضع لها الهيولى. إلا على جهة الاستعارة، فضلًا عن أن يضعها أزلية، ولا يحتاج هاهنا أيضًا إلى إدخال محرك من خارج هو من نوع المتحرك على أنه غيره.
وكأنهم إنما عرض لهم هذا الغلط. لما أرادوا الجمع بين مذهب أفلاطون وأرسطو، وذلك أنهم وجدوا أرسطو يضع أن هاهنا ثلاثة أنواع من العقول، أحدها عقل هيولاني، والثاني الذي بالملكة وهو كمال هذا الهيولاني، والثالث المخرج له من القوة إلى الفعل، وهو العقل الفعال على ما يجري الأمر عليه في سائر الأمور الطبيعية. واعتقدوا مع هذا أن هذه المعقولات أزلية راموا أن يناولوا قول أرسطو ويصرفوه إلى هذه الأمور المتناقضة، ولذلك لما تحفظ الإسكندر بأقاويله ظهر أن رأيه في ذلك مخالف لآرائهم، ونحن فلندع هذا لمن تفرغ للفحص عن مذهب أرسطو في ذلك ونرجع إلى حيث كنا.
[ ٢٦ ]
فنقول إنه إذ قد تبين أن هذه المعقولات حادثة فهنالك ضرورة استعداد يتقدمها، ولما كان الاستعداد مما لا يفارق لزم أن يوجد في موضوع، وليس يمكن أن يكون هذا الموضوع جسمًا حسبما تبين من أن هذه المعقولات ليست هيولانية بالوجه الذي به الصور الجسمانية هيولانية، ولا يمكن أيضًا أن يكون عقلًا، إذ كان ما هو بالقوة شيئًا ما فليس فيه شيء ما بالفعل مما هو قوي عليه.
وإذا كان ذلك كذلك فالموضوع لهذا الاستعداد ضرورة هو نفس، وليس يظهر هاهنا شيء اقرب إلى أن يكون الموضوع لهذه المعقولات من بين قوي النفس سوى الصور الخيالية، إذ كان قد تبين أنها إنما توجد مرتبطة بها وأنها توجد بوجودها وتعدم بعدمها.
فإذن الاستعداد الذي في الصور الخيالية لقبول المعقولات هو العقل الهيولاني الأول، والعقل الذي بالملكة هو المعقولات الحاصلة بالفعل فيه إذا صارت، بحيث يتصور بها الإنسان متى شاء، كالحال في المعلم إذ لم يعلم، وهو إنما يحصل بالفعل على تمامه الآخر، وبهذه الحال تحصل العلوم النظرية.
وذلك أن توجد للإنسان الذي بهذه الحال في جميع الصنايع النظرية التمامات الأربعة التي عددت في كمالات الصنايع في كتاب البرهان.
وبهذا الاستعداد الذي توجد للإنسان في الصورة الخيالية تفارق نفسه المتخيلة النفس المتخيلة من الحيوان، كما تفارق النفس الغاذية في النبات الغاذية في الحيوان بالاستعداد الذي فيها لقبول المحسوسات، لكن الفرق بينهما أن الاستعداد الذي في الصور الخيالية لقبول المعقولات هو غير مخالط للصورة الخيالية، لأنه لو كان مخالطًا لما أمكن فيه أن يقبل الصور الخيالية، كما أنه لو كانت الحاسة ذات لون لما أمكن فيها أن يقبل اللون، وهذا هو معنى قولهم إن العقل الهيولاني لو كان ذا صورة مخصوصة لما قبل الصور الخيالية هي أحرى أن تكون محركة له من أن تكون قابلة. فلذلك ما يقول الإسكندر أن العقل الهيولاني هو استعداد فقط مجرد من الصور يريد أنه ليس صورة من الصور شرطًا في قبوله المعقولات، وإنما هي شرط في وجوده فقط لا في قبوله.
ولإشكال هذا المعنى على المفسرين جعلوا العقل الهيولاني جوهرًا أزليًا من طبيعة العقل، أي وجوده وجود في القوة حتى تكون نسبته إلى المعقولات نسبة الهيولى إلى الصورة، لكن ما هذا شأنه فليس أن يستكمل به في الكون جسم كائن فاسد، ولا أن يكون المتسكمل به عاقلًا به، أعني الإنسان، إذ هو كائن فاسد لكن يدخل هذا على الإسكندر في تسليمه أن الإنسان يستكمل في آخر كونه بفعل مفارق، ولذلك يستدعي الحكم بين المذهبين قول أبسط من هذا لا يحتمله هذا المختصر، فنرجع إلى حيث كنا.