فنقول قد تبين من هذا القول أن هذه المعقولات فيها جزء هيولاني وجزء غير هيولاني، وتبين مع هذا ما هذه الهيولى وما ترتيبها، فلننظر ما المحرك لهذه القوة. فنقول إنه لما كانت هذه المعقولات كما تبين من أمرها توجد أولًا بالقوة ثم ثانيًا بالفعل، وكان كل ما هذا شأنه مما قوامه بالطبيعة فله محرك يخرجه من القوة إلى الفعل وجب ضرورة أن يكون الأمر على هذا في هذه المعقولات، فإن القوة ليس يمكن فيها أن تصير إلى الفعل بذاتها، إذ كانت إنما هي عدم الفعل بجهة ما على ما تلخص قبل، ولما كان أيضًا المحرك إنما يعطي المتحرك شبه ما في جوهره وجب أن يكون هذا المحرك عقلًا وأن يكون مع ذلك غير هيولاني أصلًا، وذلك أن العقل الهيولاني يحتاج ضرورة في وجوده إلى أن يكون هاهنا عقل موجود بالفعل دائمًا وإلا لم يوجد الهيولاني، وذلك بين مما تقدم من الأصول الطبيِعية، فإن كان ما ليس يحتاج في فعله الخاص إلى الهيولى فليس بهيولاني أصلًا.
ومن هذا يظهر أن هذا العقل الفاعل أشرف من الهيولاني وأنه في نفسه موجود بالفعل عقلًا دائمًا سواء عقلناه نحن أو لم نعقله، وأن العقل فيه هو المعقول من جميع الوجوه، وهذا العقل قد تبين قبل أنه صورة وتبين هاهنا أنه فاعل، ولذلك أمكن أن يظن أن عقله. ممكن لنا بآخرة، أعني من حيث هو صورة لنا، ويكون قد حصل لنا ضرورة معقول أزلي، إذ كان في نفسه عقلًا سواء عقلناه نحن أو لم نعقله، لا إن وجوده عقلًا من جعلنا كالحال في المعقولات الهيولانية، وهذه الحال هي التي تعرف بالاتحاد والاتصال.
[ ٢٧ ]
ويرى الإسكندر أن الذي يعنيه أرسطو بالعقل المستفاد هو العقل الفاعل من جهة ما يوجد له هذا الاتصال بناء، ولذلك ما سمي مستفادًا أي إنا نستفيده، ونحن ننظر في هذا الاتصال هل هو ممكن للإنسان أم لا، فإن آخر ما ينتهي إليه صاحب هذا العلم هو الفحص عن الكمالات الأخيرة الموجودة للأمور الطبيعية بما هي طبيعية ومتغيرة، كما أنه ينتهي بالفحص عن السبب الأقصى لها في التحريك والمتحرك، وهو الفاعل الأقصى والهيولى الأولى.
فنقول أن القوم يعتمدون في ذلك أن العقل النظري لما كان من طبيعة انتزاع الصورة من الموضوع وكان ينتزع الصورة غير المفارقة فهو أحرى أن تنتزع هذه الصورة المفارقة، أعني إذا نظر في هذه المعقولات الحادثة بما هي معقولات، وذلك إذا صارت عقلًا بالفعل وعلى كمالها الأخير، أعني الهيولى وذلك أنه لما لم تصر على كمالها الأخير فهو عقل متكون، وفعل الكائن بما هو كائن ناقص، وإذا تقرر هذا فهذا التصور هو الكمال الأخير للإنسان والغاية المقصودة - وهاهنا انقضى القول في القوة الناطقة.