وهذه القوة هي تدرك بها معاني الطعوم وقد تلخص قبل ما هي الطعوم، وهذه القوة كأنها لمس ما إذ كانت إنما تدرك محسوسها بوضعه على آلة الحاسة. ولذلك ما يرى الاسكندر أن هذه القوة ليست تحتاج إلى متوسط على ما سيظهر من أمر اللمس، إلا أنا نجد هذه القوة التي آلتها اللسان إنما تدرك الطعوم بتوسط الرطوبة التي في الفم وبخاصة الأشياء اليابسة، وذلك انه يعرض لمن عدم هذه الرطوبة ألا يدرك الطعوم، وأن أدركها فبعسر. وكذلك يعرض لمن فسدت هذه الرطوبة في فمه بانحرافها نحو مزاج ما أن يجد الطعوم كلها على غير كنهها.
وبالجملة فيظهر أن أحد ما يتقوم به إدراك هذه الحاسة هو هذه الرطوبة، ولذلك جعلت النغانغ دائمًا لتوليد هذه الرطوبة وجعل لها فيها مسلكان مفضيان إلى اصل اللسان، فمن هذه الأشياء كلها قد نظن أيضًا أن هذه الحاسة إنما تدرك محسوساتها بمتوسط وهي هذه الرطوبة، وقد صرح بذلك أبو بكر بن الصائغ في كتابه في النفس وثامسطيوس.
وينبغي أن ننظر في ذلك فنقول أن الحاجة إلى المتوسط قد تبين فيما سلف أنها أحد أمرين: إما أن يكون المتوسط هو الذي يؤدي تحريك المحسوس لآلة الحاسة لكون المحسوس غير مماس لها، كالحال في المحسوسات الثلاث التي ير الألوان والأصوات والروائح. وإما أن تكون الضرورة الداعية إلى المتوسط لا في هذه فقط بل في أن يكون وجود الصور المحسوسة فيه بضرب من التوسط بين وجودها الهيولاني المحض وبين وجودها في النفس، كالحال في الألوان.
وإذا كان هذان هما جهتا ضرورة الحاجة إلى المتوسط فبين أن الذوق ليس يحتاج إلى المتوسط بالمعنى الأول، وهو أشهر المعاني الداعية إلى التوسط، إذ كان المحسوس منها بتحرك آلة الحس بمماسة لها.
وأما الجهة الثانية من جهتي الحاجة إلى المتوسط ففي إيجابها لهذه الحاسة موضع نظر، فإنه قد نظن أنه إنما يمكن تصور هذا النحو من المتوسط في لوجود للمحسوسات التي يقبلها المركب والبسيط كالألوان التي يقبلها الهواء بضرب من التوسط بين وجودها الهيولاني وبين وجودها في النفس.
[ ١١ ]
وكذلك يشبه أن يكون الأمر في الحركة التي في الهواء والحركة التي هي في نفس القارع والمقروع في حاسة السمع، ولذلك ما نرى الحركتين المتضادتين في الماء عن وقع الحجارة فيه ليس تتعاوق الدوائر الحادثة عنها.
وأما المحسوسات التي يقبلها الجسم المركب فقط، أعني الممتزج فإما أن لا توجد لها الحاجة إلى هذا المعنى من التوسط، وأما أن وجد لها فبجهة أخرى، وكانت حاجة هذه إلى المتوسط مع حاجة تلك مع هذه بضرب من التشكيك. ولذلك الأشبه أن نقول في هذه الرطوبة أنها إنما تعين على هذا الفعل من جهة انه يعرض للمطعومات اليابسة أن تترطب بها بضرب من النضج يعتريها في الفم، ولذلك نجد اللوك والمضغ يعين على درك كثير من المطعومات، وبخاصة التي إنما ندركها بعد لبثها في الفم، والحال في هذه كالحال في بعض المشمومات التي تدرك بالفرك، وكان هذين الصنفين من المطعومات هي محسوسة بالقوة.
وأما المطعومات التي هي رطبة بالفعل فإما أن لا تحتاج إلى هذه الرطوبة في الفم، وأما إن احتاجت فحاجة يسيرة، ولذلك الأولى أن نقول في هذه الرطوبة إنها من بعض آلات الإدراك للذوق من أن نقول إنها متوسطة وأن هذه الحاسة مما تحتاج إلى متوسط. ونطلق القول في ذلك كإطلاقه في البصر والسمع والشم.
ولهذا نرى أن الإسكندر فيما قال أحفظ لوضعه، إذ كان الأشهر من حاسة المتوسط إنما هو أن يكون المحسوس غير ملاق لآلة الحس، وذلك أنه لما كان الأفضل في حفظ بقاء الحيوان أن لا يحس فقط بالمحسوسات التي يماسه بل وبالمحسوسات التي من خارج وعلى بعد منه ليتحرك نحوها أو عنها بالضرورة ما كانت الحاجة في هذه ماسة إلى متوسط.
ولما كانت هذه الآلة إنما تدرك الطعم من جهة ما هو رطب أو مترطب كان ما هو بالقوة شيء ما واجب فيه أن لا يكون بالفعل شيء من ذلك الذي هو قوي عليه كانت آلة هذا الإدراك يابسة.
ولما كانت هذه الرطوبة التي تترطب بها المحسوسات اليابسة حتى تدركها هذه الحاسة هي كالموصل بوجه ما بالواجب ما لزم فيها أن يكون غير ذات طعم في نفسها، وإلا لم تتأدبها الطعوم إلى الحاسة على كنهها كما يعرض ذلك للمرضى، وهذا من فعل هذه الرطوبة أقرب ما تشبه به إلى المتوسط.
ولما كانت هذه الحاسة وحاسة الإبصار يدركان محسوساتهما في موضوعاتهما الأول اشتركتا في إدراك الشكل والمقدار.
وأما حاسة السمع والشم فلما كانت تدرك محسوساتها وقد انفصلت عن موضوعاتها الأول لم يوجد لها هذا المحسوس المشترك والقول في هذه الأشياء على الاستقصاء يستدعي قولًا أبسط من هذا بكثير. لكن قولنا جرى في هذه الأشياء بحسب الأمر الضروري فقط، وأن فسح الله في العمر وجلى هذه الكرب فسنتكلم في هذه الأشياء بقول أبين وأوضح وأشد استقصاء من هذا كله، لكن القدر الذي كتبناه في هذه الأشياء هو الضروري في الكمال الإنساني وبه يحصل أول مراتب الإنسان. وهذا القدر لمن أتفق له الوقوف عليه بحسب زماننا هذا كثير، فقد قلنا ما هي هذه القوة وما آلتها وبأي جهة تدرك محسوساتها.
وأما القول في الطعوم وتفصيلها فأليق المواضع بذلك هو كتاب الحس والمحسوس.