وهذه القوة هي القوة التي من شانها أن تقبل معاني الأمور المشمومة وهي الروائح، وليست فصول الروائح عندنا بينة كفصول الطعوم، وإنما نكاد أن نسميها من فصول الطعوم حتى نقول رائحة حلوة ورائحة طيبة، ولشبه أن تكون هذه الحاسة فينا اضعف منها في كثير من الحيوان كالنسر والنحل وما أشبههما من الحيوان القوي الشم.
[ ١٠ ]
فأما ما به يكون هذا الإدراك فهما الأسطقسان الخادمان للحاستين المتقدمتين، أعني الماء والهواء، فان الحيتان قد يظهر من أمرها أنها تشم، وذلك أيضًا بين مما تقدم. وأما على أي جهة تخدمان هذه الحاسة فذلك يظهر إذا تبين ما هي الرائحة.
فنقول أن الرائحة إنما توجد لذي الطعم من جهة ما هو ذو طعم، وهو موضوعها الأول الذي هو بمنزلة السطح للون. ولذلك يستدل كثيرًا من الرائحة على الطعم وذلك طاهر بالاستقراء.
وقد قيل في كتاب الحس والمحسوس أن الطعم هو اختلاط الجوهر اليابس بالجوهر الرطب بضرب من النضج يعتد به. فإذا كان ذلك كذلك فالرائحة إنما توجد للأجسام من جهة ما هي ممتزجة وليس لكل الممتزجة بل لممتزجات ما، وليس كذلك اللون والصوت. فإن لكل واحد منهما وجودًا في هيولاه ووجودًا في المتوسط.
وأما الرائحة فإنه يلزم أن يكون وجودها في المتوسط هو بعينه وجودها في موضوعها، إذ كانت تابعة ضرورة لذي الطعم والطعم بما هو طعم تابع للممتزج وما هذا شأنه فليس يقبل الماء والهواء قبولًا أولًا أعني بذاته، ولو كان ذلك كذلك لكانت. البسائط ذوات طعوم وذلك محال.
وإذا تقرر هذا فلم يبق وجه يخدم به هذا الإدراك المتوسط إلا بأن يحمل ما يتحلل من المشمومات من الجوهر الهوائي المناسب له حتى توصله حاسة الشم، كما يظهر ذلك بالحس من أمر كثير من ذوات الروائح، أعني إني مما إنما تشم عندما تفرك باليد أو تلقى في النار، وبالجملة عندما يتولد فيها مثل هذا البخار الذي شأنه أن يشم، ولذلك ما يحتاج ذوات الطعوم التي شأنها أن تشم في أن تكون مشمومة بالفعل إلى الحرارة التي من خارج كالمسك وغيره، وبعضها ليس يكتفي بذلك حتى يلقى في النار كالعود الهندي، وبعضها ليس يشم ذلك فيه بحرارة النهار للطافة جوهره بل بحرارة الليل، كالحال في الخيري، وتفصيل هذه في كتاب الحس والمحسوس.
ومن الدليل على أن المشموم من جنس البخار أن المتنفس من الحيوان إنما يشم باستنشاق الهواء وإدخاله، وقد يشهد لذلك أن الرياح تسوق الروائح التي تكون من ناحية جهتها وتعوق التي تأتي مقابلتها. فقد لملنا ما هي هذه القوة وما يدركها وبأي جهة يكون إدراكها.