إنه لما كان العلم بالشيء كما قيل في غير ما موضع إنما يحصل على التمام بأن يتقدم أولًا فيعلم وجود الشيء إن لم يكن بينًا بنفسه ثم يطلب تفهم جوهره وماهيته بالأشياء التي بها قوامه، ثم يطلب بعد ذلك معرفة الأمور التي قوامها بذلك الشيء، وهي اللواحق الذاتية له والأعراض، فقد ينبغي أن نفحص من هذه الأشياء بأعيانها في هذه القوة، فنبتدئ أولًا فنرشد إلى الجهة التي توقع اليقين بوجود هذه القوة ومباينتها لسائر القوى التي تقدمت، ثمٍ نفحص من أمرها هل هي تارة قوة؟ وتارة فعل؟ أم هي فعل دائما على ما يرى كثير من الناس، وأنها إنما تتعطل أفعالها في الصبي لأنها مغمورة بالرطوبة أم بعضها قوة وبعضها فعل. فإن هذا اسم شيء يفحص عنه من أمرها وهو المعنى الذي فيه اختلف القدماء كثيرًا.
ومن هاهنا توقف على ما هو اكثر ذلك متشوق من أمرها، أعني هل هي أزلية؟ أم حادثة فاسدة؟ أم هي مركبة من شيء أزلي وحادث؟ وأن كانت تارة قوة وتارة فعلًا فهي ذات هيولى ضرورة، فما هذه الهيولى؟ وما مرتبتها؟ وما الموضوع لهذا الاستعداد والقوة؟ فإن القوة مما لا يفارق، وهل ذلك جسم أو نفس أو عقل؟ وأيضًا ما المحرك لهذه القوة؟ والمخرج لها إلى الفعل؟ وإلى أي مقدار من التحريك ينتهي إليه بالذات؟ فعلى هذا المحرك فيها فإن بذلك نقف على كمالها الأقصى، فإنه من الظاهر أنها ليست فينا هذه القوة أولًا معشر الناس على كمالها الأخير وأنها في تزيد دائم، لكن ليس يمكن أن يمر الأمر فيها إلى غير نهاية. فإن الطباع تأبى ذلك فهذه هي جميع المطالب التي ينبغي أن نفحص عنها من أمر هذه القوة، فإن بمعرفتها تحصل لنا معرفتها على التمام.
[ ١٩ ]
والأمور التي نأخذها، مقدمات في بيان هذه الأشياء هي أحد أمرين إما نتائج أقيسه قد تبينت فيما سلف من هذا العلم، وإما أمور يقينية بأنفسها هاهنا وإما أن تكون الأقاويل المستعملة في ذلك مؤلفة من هذين الصنفين من المقدمات وسنرشد إلى صنف صنف منها عندما نستعمله.
فنقول إنه من البين مما قيل في مواضع كثيرة أن المعاني المدركة صنفان: إما كلي، وإما شخصي. وأن هذين المعنيينِ في غاية التباين، وذلك أن الكلي هو إدراك المعنى العام مجردًا من الهيولى وإدراك الشخص هو إدراك المعنى في الهيولى. وإذا كان ذلك كذلك فالقوة التي تدرك هذين المعنيين هي ضرورة متباينة، وقد تبين فيما تقدم أن الحس والتخيل إنما يدركان المعاني في الهيولى، وأن لم يقبلاها قبولًا هيولانيًا على ما تقدم،،ولذلك لسنا نقدر أن نتخيل اللون مجردًا عن العظم والشكل فضلًا عن أن نحسه، وبالجملة لسنا نقدر أن نتخيل المحسوسات مجردة من الهيولى، وإنما ندركها في هيولى وهي الجهة التي بها تشخصت، وإدراك المعنى الكلي والماهية بخلاف ذلك. فإنا نجرده بالهيولى تجريدًا وأكثر ما تبين ذلك في الأمور البعيدة من الهيولى كالخط والنقطة، فهذه القوة إذن التي من شأنها أن تدرك المعنى مجردًا عن الهيولى هي ضرورة قوة أخرى غير القوة التي تقدمت وبين أن فعل هذه القوة ليس هو أن تدرك المعنى مجردًا من الهيولى فقط، بل وأن تركب بعضها إلى بعض وتحكم لبعض على بعض. والفعل الأول من أفعال هذه القوة يسمى تصورًا والثاني تصديقًا. وهو من الظاهر هاهنا أن بالواجب أن قسمت ترى النفس هذا الانقسام لانقسام المعاني المدركة، وأنه ليس يمكن أن توجد هاهنا قوة أخرى للحيوان نافعة في وجوده غير هذه القوى. وذلك أنه لما كانت سلامته إنما هي أن يتحرك عن المحسوسات أو إلى المحسوسات. والمحسوسات إما حاضرة وأما غائبة، فبالواجب ما جعلت له قوة الحس وقوة التخيل فقط. إذ كان ليس هاهنا جهة ما في المحسوس يحتاج الحيوان إلى إدراكه غير هذين المعنيين، ولذلك لم تكن هاهنا قوة أخرى تدرك المعنى المحسوس غير هاتين القوتين أو ما يحدث منهما.
ولما كان أيضًا بعض الحيوان وهو الإنسان ليس يمكن وجوده بهاتين القوتين فقط، بل بأن تكون له قوة يدرك بها المعاني مجردة من الهيولى ويركب بعضها إلى بعض ويستنبط بعضها عن بعض حتى تلتئم عن ذلك صنائع كثيرة هي نافعة في وجوده. وذلك إما من جهة اضطرار فيه وإما من جهة الأفضل بالواجب ما جعل في الإنسان هذه القوة، أعني قوة النطق. ولم تقتصر الطبيعة على هذا فقط، أعني أن تعطيه مبادئ الفكرة المعينة في العمل، بل ويظهر أنها أعطته مبادئ آخر ليست معدة نحو العمل أصلًا، ولا هي نافعة في وجوده المحسوس لا نفعًا ضروريًا ولا من جهة الأفضل، وهي مبادئ العلوم النظرية.
وإذا كان ذلك كذلك فإنما وجدت هذه القوه من جهة الوجود الأفضل مطلقًا لا الأفضل في وجوده المحسوس، ومن هنا يظهر أن هذه القوة تنقسم أولًا إلى قسمين: أحدهما يسمى العقل العملي والآخر النظري. وكان هذا الانقسام لها عارضًا بالواجب لانقسام مدركاتها، ولذلك أن إحداهما إنما فعلها واستكمالها بمعان صناعية ممكنة. والثانية بمعان ضرورية ليس وجودها إلى اختيارنا.
وإذ قد تبين أن وجود هذه القوة مغايرة لسائر القوى التي عددناها، وتبين أيضًا مع هذا أنها تنقسم قسمين فقد ينبغي أن ننظر بعد ذلك في الأمور المطلوبة التي عددناها في كل واحد منها، وأن كانت أكثرها مشتركة لها. ونبتدئ أولًا بالقول في القوة العملية. فإن الأمر في ذلك أسهل وليس فيه كثير نزاع، وأيضًا فهذه القوة هي القوة المشتركة لجميع الأناسي التي لا يخلو إنسان منها، وإنما يتفاوتون فيها بالأقل والأكثر.
وأما القوة الثانية فيظهر من أمرها أنها إلهية جدًا، وأنها إنما توجد في بعض الناس وهم المقصودون بالعناية أولًا في هذا النوع. فنقول: أما أن هذه المعقولات العملية، سواء كانت معقولات قوى أو مهن حادثة وموجودة فينا أولًا بالقوة وثانيًا بالفعل، فذلك من أمرها بين، فإنه يظهر عند التأمل أن جل المعقولات. الحاصلة منها إنما تحصل بالتجربة والتجربة إنما تكون بالإحساس أولًا والتخيل ثانيًا. وإذا كان ذلك كذلك فهذه المعقولات إذن مضطرة في وجودها إلى الحس والتخيل فهي ضرورة حادثة بحدوثها وفاسدة بفساد التخيل.
[ ٢٠ ]
فأما هل تتنزل الخيالات منزلة الموضوع لهذه القوة أو منزلة المحرك على ما هو عليه الأمر في البقايا التي في الحس المشترك من المحسوسات مع القوة المتخيلة فقد يظهر أن منزلتها منه ليست منزلة الموضوع، وذلك أن المعنى المتخيلِ هو المعنى المعقول نفسه فهو بمنزلة المحرك، إلا أنه ليس كافيًا في ذلك. لأن الكلي مباين بالوجود للتخيل ولو كانت الخيالات هي المحركة له فقط لكان ضرورة من نوعها، كالحال في المحسوس والمتخيل. وسنبين هذا أكثر عند القول في العقل النظري. وهنالك نقول في وجود هذا المحرك وما هو وإذا لم تكن الخيالات هي المحركة فقط هذه. وكان أحد ما يتم به إدراك الكلي فهي بجهة ما تشبه الموضوع الكلي. إذ كانت بالاستعداد والقوة الكلي وهو مرتبط بها، وبهذا الاستعداد تباين النفس المتخيلة من الإنسان النفس المتخيلة من الحيوان كما تباين النفس الغاذية في الحيوان النفس الغاذية في النبات بالاستعداد الذي في الغاذية الحيوانية لقبول الحس، وهذا الاستعداد ليس بشيء أصلًا اكثر من التهيؤ لقبول المعقولات بخلاف الأمر في قوة الحس.
وإذا كان هذا كله كما قلنا فظاهر من أمر هذه المعقولات أنها كائنة فاسدة، وهذا مما لم يختلف أحد من المشائين فيه، وذلك أنه يظهر أن هذه الخيالات ليست موضوعة بجهة ما لهذه القوة بل كمال هذه القوة وفعلها إنما هو في أن توجد صورًا خيالية بالفكرة والاستنباط، يلزم عنها وجود الأمور الموضوعة ولو وجدت هذه المعقولات دون النفس المتخيلة لكان وجودها عبثًا وباطلًا، وهذا النوع من الصور الخيالية قد يوجد لكثير من الحيوان كالتسديس الذي يوجد للنحل والحياكة التي توجد للعناكب، لكن الفرق بينهما أنها في الإنسان حاصلة عن الفكر والاستنباط، وهي في الحيوان حاصلة عن الطبع، ولذلك لا توجد متصرفًا فيها بل إنما يدرك منها حيوان حيوان صورًا ما محدودة، وهي الضرورية في بقائه.
ومن هنا ظن قوم أن الحيوان قد يعقل وبهذه القوة يحب الإنسان ويبغض ويعاشر ويصاحب، وبالجملة عنها توجد الفضائل الشكلية. وذلك أن وجود هذه الفضائل ليست شيئًا اكثر من وجود الخيالات التي عنها تتحرك إلى هذه الأفعال على غاية الصواب، وذلك أن يشجع مثلًا في الموضع الذي يحب والوقت الذي يحب وبالمقدار الذي يحب.
وما يوجد من هذه الفضائل في الحيوان كالشجاعة في الأسد والقناعة في الديك، فهي مقولة بنوع من التشكيك مع الفضائل الإنسانية، وذلك أنها طبيعة للحيوان. ولذلك كثيرًا ما يفعلها في الموضع الذي لا ينبغي، والعقل الذي يذكره أرسطو في السادسة من نيقوماخيا هو أيضًا منسوب لهذه القوة بوجه ما، فهذا هو القول في العقل العملي.
وأما القول في النظري فهو مما يستدعي بيانًا أكثر، وقد اختلف فيه المشاؤون من لدن أفلاطون إلى هلم. ونحن نفحص عن ذلك بحسب طاقتنا وبحسبِ المعونة الواقعة في ذلك ممن تقدم.
فنقول أن أول ما ينبغي أن ننظر فيه من أمر هذه المعقولات النظرية هل هي دائمًا فعل أم توجد أولًا بالقوة ثم توجد ثانيًا بالفعل، فتكون توجد هيولانية. فإن القول بأن بعضها يوجد دائمًا فعلًا وبعضها قوة قول بين السقوط بنفسه. فإن الصور ليست تنقسم بذاتها ولا بعضها موضوعة لبعض ولا يوجد هذا للصور من جهة الهيولى، أعني من جهة ما هي شخصية. وهذا بين عند من ارتاض أدنى ارتياض في هذا العلم.
والسبيل إلى ذلك كما قلنا في أول هذا الكتاب أن ننظر هل اتصالها بنا اتصال شبيه باتصال الأمور المفارقة بالمواد، كما يقال في العقل الفعال إنه يتصل بنا في حين الاستفادة، حتى تكون هذه المعقولات لا فرق بين وجودها لنا منذ الصبي وعند الكهولة في كونها موجودة بالفعل، إلا أنها كانت في الصبي مغمورة بالرطوبة.