وهذه القوة هي التي من شانها أن تقبل معاني الألوان مجردة عن الهيولى من جهة ما هيِ معان شخصية، وذلك بين مما تقدم إذ كانت تدرك المتضادين معًا كما قلنا.
والذي بقي علينا من أمرها أن نبين كيف يكون هذا القبول وبأي شيء يكون، وبالجملة جميع الأشياء التي تتقوم هذا الإدراك فنقول لما كانت المحسوسات بعضها مماسة للحواس وملاقية لها كمحسوسات اللمس والذوق، وبعضها غير ملاقية ولا مماسة كالبصر والسمع والشم، وكانت المحسوسات هي المحركة للحواس والمخرجة لها من القوة إلى الفعل، والمحرك كما تبين إذا كان محركًا قريبًا فإنما يحرك بأن يماس المحرك، وأن كان بعيدًا فإنما يحركه بتوسط جسم آخر،، إما واحد وإما أكثر من واحد، وذلك بأن يحرك هو الذي يليه ثم يحرك ذلك الأخر الذي يليه إلى أن ينتهي التحريك إلى الأخير.
وأعني هاهنا بالتحريك التغير على العموم سواء كان في زمان أو لم يكن، كالحال في هذا التغير، فبالواجب ما احتاجت هذه الحواس الثلاث إلى متوسط به يكون قبولها للمحسوسات وليس بأية حالة اتفقت حتى يكون هو المتوسط، بل يلزم ضرورة أن يكون بحال يمكنه بها أن يقبل التحريك عن المحسوسات حتى تؤديه إلى الحواس، وليست هذه الحال شيئًا أكثر من أن يكون في نفسه عادمًا لهذه المعاني التي يقبلها عن المحسوسات، حتى يكون لا لون له ولا رائحة وبكون قبوله لها بوجه مناسب لقبول الحاسة، أعني أن لا يكون قبوله هيولانيًا بل بضرب من التوسط بين الهيولاني والروحاني، وهذا أيضًا أحد ما اضطر إلى وجود المتوسط، فإن الطبيعة إنما تفعل بتدريج، ولذلك كانت هذه المحسوسات إذا ألقيت على آلة الحس لم تدرك، وهذه حال الماء والهواء اللذين تدرك بتوسطهما هذه المحسوسات. فقد ظهر من هذا القول ضرورة احتياج هذه الثلاث الحواس إلى المتوسط، وبأي صفة ينبغي أن يكون على العموم، وإنه ليس يمكن أن يكون إبصار ولا واحد من هذه الإدراكات بانخلاء على ما كان يرى كثير ممن سلف من القدماء.
وينبغي أن نرجع إلى ما يخص الأبصار فنقول أن الجسم الذي شأنه أن يقبل اللون من جهة ما هو غير ذي لون هو جسم المشف من جهة ما هو مشف، وهذا القبول ضربان: إما قبول هيولاني. كالحال في الألوان في هيولاها، وإما قبول متوسط بين الهيولاني والروحاني كالحال في ارتسام الألوان في الهواء والماء. وهذا النحو من القبول هي الجهة التي بها يخدم هذان الأسطقسان الإبصار فقط. ولهذا السبب بعينه ما كانت آلة هذا الإدراك وهي العين الغالب على أجزائها الماء والهواء، لكن هذه الأجسام المشفة يظهر من أمرها أنها إنما تقبل الألوان حين هي مشفة بالفعل أي مستضيئة، ولذلك لا يمكن أن يبصر في الظلام وإنما تكون مشفة بالفعل عند حضور المضيء.
[ ٨ ]
فإذن إنما يتفق الأبصار بهذين الأسطقسين وبالضوء. لكن أما الجهة التي بها تخدم هذان الأسطقسان هذه القوة فقد تبينت وأما على أية جهة يفعل ذلك الضوء فقد ينبغي أن نبين ذلك بعد أن نلخص أولًا كم هي الأجسام المضيئة وما الضوء والمستضيئ.
فنقول أما الأجسام المضيئة بالتقديم فنوعان: الجسم الإلهي والنار، إلا أن ذلك بالذات للجسم الإلهي وبالعرض للنار ولذلك لم تكن مضيئة في مكانها. وقد يقال المضيء أيضًا بتأخير على كل ما من شأنه أن يقبل الضوء من غيره ثم يضيء هو في نفسه. وأحرى ما قبل له مضيء من هذا ما كان بحيث يجعل غيره مرئيًا ولم تكن صورة بانعكاس، كالحال في القمر. وأما التي تضيء في نفسها فقط وليست تجعل غير مرئية فكثير من الأصداف التي تضيء بالليل والماء الذي يظهر على المجاذيف.
وليس ما قبل في هذه الأشياء أنها تضيء. من قبل أن لها طبيعة نارية بشيء كما حكى ذلك ثامسطيوس عن المعلم الاسكندر، لأن المضيِء إنما يوجد في الممتزج من جهة ما هو لون ولذلك ليست هذه ألوانًا إلا باشتراك الاسم، وسنبين أكثر في كتاب الحس والمحسوس.
وأيضًا فقد يظهر من أمر هذه أنها بخلاف الألوان، إذ كانت إنما تبصره في الظلمة والألوان في الضوء فقط، حتى قيل أن خاصة اللون أن يحرك للمشف بالفعل والأولى بهذه أن يظن أنها تضيء من جهة أنها تقبل الانعكاس لأنها في طبيعة المرئي، وأن كان ليس يمكن أن تضيء غيرها، وعلى هذه الجهة ترى عيون كثيرة من الحيوان تضيء في الظلام، أو نقول أنه يتحلل عنها في الظلام بخار شأنه أن يعرض عنه مثل هذه الرؤية.
والفحص عن هذا ليس بلائق بهذا الموضع، فإن استقصاء القول في هذه الأشياء هو في كتاب الحس والمحسوس.
وأما الضوء فإنه لما كان غير جسم أصلًا بدليل انه مشع بكلية في كلية الأجسام المشفة ويحدث في غير زمان، ولم يمكن فيما هذا شأنه أن يفارق لم يكن الضوء شيئًا غير كمال المشف بما هو مشف. والمستضيئ هو الذي يقبل الضوء، والضوء إنما يفعل الإضاءة في المستضيئ إذا كان منه ذا وضع محدود وقدر محدود.
وهذا بين أن الإضاءة من الكمالات التي ليست منقسمة بانقسام الجسم، ولا حاصلة في زمان، لكن إذا كان هذا كله هكذا فعلى أي جهة ليت شعري يكون للضوء مدخل في تتميم هذا الإدراك.
وذلك يمكن أن يتصور على أحد وجهين: إما أن يكون الضوء هو الذي يعطي الجسم المتوسط الاستعداد الذي به يمكن أن يقبل الألوان فقط حتى تؤديها إلى الحاسة وهو الإشفاف بالفعل حتى يكون اللون إنما يحرك المشف من جهة ما هو مشف بالفعل، وتكون الألوان على هذا موجودة بالفعل في الظلام.
وبالقوة محركة للإبصار على جهة ما نقول في العالم إنه معلم بالقوة إذا لم يكن له متعلم أو تكون الألوان موجودة في الظلام بالقوة الحقيقية، حتى يكون الضوء هو المحرك لها من القوة إلى الفعل. فنقول إنه قد تبين في كتاب الحس والمحسوس أن اللون هو اختلاط الجسم المشف بالفعل، وهو النار مع الجسم الذي لا يمكن فيه أن يستشف وهو الأرض.
وإذا كان كذلك فاللون ضوء ما وهو يستكمل ضرورة على نحو ما بالضوء الذي من خارج وتقوى.
وقد يظهر ذلك من أنا متى نظرنا إلى الألوان الواحدة بعينها في الظل والشمس وعند مرور السحاب عليها وانكشافها رأيناها بألوان مختلفة في الزيادة والنقصان، وذلك مما يدل على أنها تستكمل بالضوء الذي من خارج استكمالًا ما، ولذلك ما قبل أن الضوء هو الفاعل للإبصار.
فقد تبين من هذا القول ما هي هذه القوة وبأي شيء تدرك وكيف تدرك.
وأما القول في مدركها وهي الألوان فأليق المواضع بذلك كتاب الحس والمحسوس٠