وإذا قلنا ما هي النفس الحساسة بإطلاق فقد ينبغي بعد هذا أن نصير إلى القول في واحدة واحدة من قواها. فنقول أن أقدم هذه القوى وجودًا بالزمان هي قوة اللمس ولذلك قد توجد هذه القوة معراة عن سائر الحواس، كما يوجد ذلك في الإسفنج البحري وغير ذلك مما هو متوسط الوجود بين النبات والحيوان، ولا توجد سائر القوى معراة منها وإنما كان ذلك كذلك لأن هذه القوة أكثر ضرورية في وجود الحيوان من سائر قوى الحس، إذ لولا هي لكانت ستفسده الأشياء التي من خارج وبخاصة عند النقلة.
ثم من بعد هذه القوة قوة الذوق فإنها أيضًا لمس ما، وأيضًا فإنها القوة التي بها يختار الحيوان الملائم من الغذاء من غير الملائم.
ثم قوة الشم أيضًا إذ كانت هذه القوة أكثر ما يستعملها الحيوان في الاستدلال على الغذاء كالحال في النمل والنحل، وبالجملة فهذه الثلاث القوى هي القوى الضرورية أكثر ذلك في وجود الحيوان.
وأما قوة السمع والإبصار فموجودة في الحيوان من أجل الأفضل لا من اجل الضرورة، ولذلك كان الحيوان المعروف بالخلد لا بصر له.
ويجب قبل أن نشرع في القول في هذه الحواس أن نقدم من أمر المحسوسات ما يتوصل به إلى القول في واحدة واحدة من هذه القوى. فإنا، إنما نسير أكثر ذلك في هذا العلم كما قيل غير ما مرة من الأعرف عندنا إلى الأعرف عند الطباع.
[ ٧ ]
فنقول أن الأمور المحسوسة منها قريبة، ومنها بعيدة، والقريبة معدودة فيها بالذات، والبعيدة معدودة فيها بالعرض، والذي بالذات منها ما هي خاصة بحاسة حاسة ومنها مشتركة لأكثر من حاسة واحدة، فالخاصة هي مثل الألوان للبصر، والأصوات للسمع والطعوم للذوق، والرائحة للشم، والحرارة والبرودة للمس، وأما المشتركة لأكثر من خاصة واحدة فالحركة والسكون والعدد والشكل والمقدار.
أما الحركة والعدد فيدركهما جميع الحواس الخمس وذلك بين بن أمرهما٠ وأما الشكل والمقدار فمشتركان للبصر واللمس فقط، والغلط إنما يقع أكثر ذلك للحواس في هذه المحسوسات المشتركة كمن يخيل إليه حين يسير في النهر أن الشطوط تتحرك، وأما المحسوسات بالعرض فمثل أن يحس أن هذا حي وهذا ميت، وهذا زيد وهذا عمرو، وهذه المحسوسات الغلط فيها أكثر منه في المشتركة، ولذلك قد يحتاج في تميزها أن يستعمل في ذلك اكثر من حاسة واحدة كما يستعمل ذلك الأطباء فيمن به انطباق العروق، فإنهم قد يقصدونه مرة ومرة يجعلون مرآة عند أنفه ليظهر لهم فيها أثر التنفس.
وإذ قد تبين ما هي المحسوسات الخاصة والمشتركة فلنبدأ أولًا بالقول في القوى التي تخص محسوسًا محسوسًا من المحسوسات الخاصة ثم نسير ذلك إلى القول في القوة التي محسوساتها مشتركة، وهي المعروفة بالحس المشترك، ولنبدأ على عادتهم من القول في البصر.