ومن هذه الأمور بعينها يمكن أن نقف من أمرها على ما هو اكثر ذلك متشوق من أمرها، وهو هل يمكن فيها أن تفارق أم لا، إلا أنه ينبغي أن يكون عتيدًا قبل هذا الفحص على أي جهة يمكن أن توجد صورة مفارقة في الهيولى أن وجدت، وفي أي المواضع والشبل يمكن أن يوقف على ذلك أن كان.
فنقول أن المفارقة إنما تكون أن توجد في أشياء منسوبة إلى الأمور الهيولانية بأن تكون نسبتها إليها لا نسبة الصورة إلى المادة بل تكون لاتصالها بالهيولى اتصالًا ليس في جوهرها. كما يقال في العقل الفعال إنه في المني والبزر، ويقال إن المحرك الأول في المحيط، فإن نسبة الصورة إلى الهيولى هي نسبة لا يمكن فيها أصلًا أن تتصور المفارقة فيها من جهة ما في صورة هيولانية، فإن هذا الوضع يناقض نفسه لأن أحد ما يضع صاحب هذا العلم على أنه بين بنفسه هو أن هذه الصورة الطبيعية بين من أمرها أنها تتقوم بالهيولى، ولذلك كانت حادثة وتابعة في حدوثها للتغير وطبيعته.
وأيضًا فمتى أنزلنا خلاف هذا، أعني أنها أزلية سواء فرضناها منتقلة من موضع إلى موضع أولًا من موضع إلى موضع، وهذا هو احفظ لهذا الوضع، لأنها إذا كانت أزلية فما بالها لا توجد إلا في موضوع، فإنه يلزم عن ذلك محالات كثيرة.
منها أن يكون الموجود يتكون عن موجود بالفعل، لأن المادة إذا كانت غير حادثة والصورة أيضًا غير حادثة فليس هاهنا كون أصلًا، ولا يكون هنالك غناء للمحرك والكون بل لا يكون هنالك فاعل أصلًا.
وأيضًا أن أنزلنا الصورة موجودة قبل وجودها في الهيولى المشار إليها فلا يخلو أن يكون وجودها تغيرًا أو تابعًا لتغير أو لا يكون هنالك للصورة مغائرة أصلًا، لكن متى أنزلنا الصورة ليس لها تغير أصلًا ولا وجودها في الهيولى المشار إليها تابع لتغير وكذلك فسادها لزم أن يكون الشيء الواحد بعينه قبل التكون كحاله بغد التكون وقبل الفساد كحاله بعد الفساد، حتى تكون الأضداد موجودة معًا في موضوع واحد، كأنك قلت صورة الماء وصورة النار، وهذا كله خلاف المعقول.
وأن أنزلنا أيضًا حدوثها تغيرًا، أعني أنها تتغير عند الحدوث من لا هيولى إلى هيولى أو من هيولى إلى هيولى، كما يقول أصحاب التناسخ لزم ضرورة أن تكون الصورة جسمًا ومنقسمة حسب ما تبين من أن كل متغير منقسم.
وإذا كان هذا هكذا فلم يبق أن يكون حدوثها في الهيولى إلا على أن وجودها تابع لتغير على ما يظهر من أمر الصور الكائنة، فإن أحدًا ما يتم به. وتتكون صورة الهواء في هيولى الماء إنما هو لوجود الاستحالة المتقدمة في الماء بحدوث صورة الهواء، لكن هذه الصورة من اجل وجودها في متغير لا من جهة أنها متغيرة بذاتها، فكانت ليست بجسم ولا تنقسم. ولذلك ما قيل إنه ليس حركة في الجوهر، وهذا كله قد يظهر في السماع الطبيعي.
[ ٢ ]
وأيضًا لو أنزلنا هذه الصورة غير هيولانية لم يكن حدوثها في الشيء يوجب مزيد استعداد لقبول صورة أخرى، ولا كانت بعضها كمالات لبعض، وبعضها موضوعات لبعض على جهة ما نقول أن الغاذية موضوعة للحساسة والحساسة كمال لها، فإن الصورة بما هي صورة ليس فيها من الاستعداد والقوة، إذ كان وجودها الذي يخصها إنما هو لها من جهة الفعل والفعل والقوة متناقضتان، وإنما أمكن أن توجد فيها القوة بضرب من العرض، وذلك لكونها هيولانية، وهذه كلها استظهارات تستعمل مع من ينكر وجود هذا لا على أنها براهين تتبين بها مجهول بمعلوم.
ومن شأن هذا النوع من الأقوال أن يستعمل في علم ما بعد الطبيعة، إذ كانت تلك الصناعة هي الصناعة التي تتكفل نصرة ما تضعه الصنايع الجزئية مبادئ وموضوعات، وإذا كان موضوعًا لصاحب هذا العلم أن اكثر الصور هيولانية وأن ذلك بين من أمرها، فالذي يفحص عنه صاحب هذا العلم إما هو الصورة المشكوك في أمرها هل هي متقومة بالهيولى أم ليست متقومة. والسبيل التي منها يمكن أن تكتسب المقدمات الخاصة المناسبة بهذا النظر في هذا العلم، فهي أن تحصى جميع المحمولات التي تلحق الصور الهيولانية بما هي هيولانية، إذ كان وجودها في الهيولى ليس بنحو واحد على ما ظهر فيما تقدم، وسيظهر في هذا الكتاب.
ثم يتأمل جميعها مثلًا في النفس الناطقة إذ كانت التي يظن بها من بين قوى النفس أنها تفارق، فإن ألفيناها متصفة بواحد منها تبين أنها غير مفارقة، وكذلك تتصفح المحمولات الذاتية التي تخص الصور بما هي، صور لا بما هي صور هيولانية، فإن الفي لها محمول خاص تبين انها مفارقة، كما يقول أرسطو أنه أن وجد للنفس أو لجزء من أجزائها فعل ما يخصها أمكن أن تفارق. فهذه هي الجهة التي يمكن أن ننظر منها في ذلك، فليكن هذا عندنا عتيدًا حتى نصل إلى الموضع الذي يمكن فيه أن نفحص من هذا المطلوب. فإن هذا الفحص إنما يترتب في جزء جزء من أجزاء النفس بعد المعرفة بجو هره، إذ كان علم ذات الشيء متقدمًا على لواحقه، فلنبدأ من حيث بدا.