وينبغي أن تعلم أن مقصود الشرع إنما هو تعليم العلم الحق والعمل الحق. والعلم الحق هو معرفة الله ﵎ وسائر الموجودات على ما هي عليه، وبخاصة الشريفة منها، ومعرفة السعادة الأخروية والشقاء الأخروي.
والعمل الحق هو امتثال الأفعال التي تفيد السعادة، وتجنب الأفعال التي تفيد الشقاء. والمعرفة بهذه الأفعال هي التي تسمى العلم العملي.
وهذه تنقسم قسمين: احدهما أفعال ظاهرة بدنية، والعلم بهذه هو الذي يسمى الفقه، والقسم الثاني أفعال نفسانية، مثل الشكر والصبر، وغير ذلك من الأخلاق التي دعا إليها الشرع أو نهى عنها. والعلم بهذه هو الذي يسمى
[ ٥٤ ]
الزهد وعلوم الآخرة. وإلى هذا نحا أبو حامد في كتابه.
ولما كان الناس قد اضربوا عن هذا الجنس وخاضوا في الجنس الثاني، وكان هذا الجنس املك بالتقوى التي هي سبب السعادة، سمى كتابه " احياء علوم الدين ". وقد خرجنا عما كنا بسبيله، فنرجع.
فنقول: لما كان مقصود الشرع تعليم العلم الحق والعمل الحق، وكان التعليم صنفين: تصورًا وتصديقًا، كما بيق ذلك اهل العلم بالكلام، وكانت طرق التصديق، الموجودة للناس ثلاثًا: البرهانية، والجدلية، والخطابية، وطرق التصور اثنين: إما الشيء نفسه وإما، مثاله، وكان الناس كلهم ليس في طباعهم أن يقبلوا البراهين ولا الأقاويل الجدلية، فضلًا عن البرهاينة، مع ما في تعلم الأقاويل
[ ٥٥ ]
البرهانية من العسر والحاجة في ذلك إلى طول الزمان لمن هو أهل لتعله وكان الشرع إنما مقصودة تعليم الجميع، وجب أن يكون الشرع يشتمل على جميع أنحاء طرق التصديق وانحاء طرق التصور.