فإن قيل " فإذا تبين أن الشرع في هذا على ثلاث مراتب، فمن اي هذه المراتب الثلاث هو عندم ما جاء في صفات المعاد وأحواله "؟ فنقول: أن هذه المسألة الأمر فيها بين انها من الصنف المختلف
[ ٤٩ ]
فيه. وذلك انا. نرى قومًا ينسبون أنفسهم إلى البرهان يقولون أن الواجب حملها على ظاهرها، اذ كأن ليس ههنا برهان يؤدي إلى استحالة الظاهر فيها. وهذه طريقة الأشعرية، وقوم آخرون ايضًا ممن يتعاطى البرهان، يتأولونها. وهؤلاء يختلفون في تأويلها اختلافًا كثيرًا. وفي هذا الصنف ابو حامد معدود وكثير من المتصوفة. ومنهم من يجمع فيها التأويلين، كما يفعل ذلك ابو حامد في بعض كتبه.
[ ٥٠ ]
ويشبه أن يكون المخطىء في هذه المسألة من العلماء معذورًا والمصيب مشكورًا أو مأجورًا، وذلك إذا اعترف بالوجود وتأول فيها نحوًا من انحاء التأويل، اعنى في صفة المعاد لا في وجوده، إذا كان التأويل لا يؤدي إلى نفي الوجود. وإنما كان جحد الوجود في هذه كفرًا لأنه في اصل من اصول الشريعة، وهو مما يقع التصديق به بالطرق الثلاث المشتركة للأحمر والأسود وأما من كان من غير اهل العلم، فالواجب عليه حملها على ظاهرها وتأويلها في حقه كفر، لأنه يؤدي إلى الكفر. ولذلك ما نرى أن من كان من الناس فرضه الايمان بالظاهر فالتأويل في حقه كفر، لأنه يؤدي إلى الكفر. فمن افشاه له من اهل
[ ٥١ ]
التأويل فقد دعاه إلى الكفر، والداعي إلى الكفر كافر.
ولهذا بجب أن لا تثبت التأويلات الا في كتب البراهين لأنها إذا كانت في كتب البراهين لم يصل اليها الا من هو من اهل البرهان. واما إذا أثبتت في غير كتب البرهان واستعمل فيها الطرق الشعرية والخطابية أو الجدلية، كما يصنعه ابو حامد، فخطأ على الشرع وعلى الحكمة، وأن كان الرجل إنما قصد خيرًا، وذلك أنه رام أن يكثر اهل العلم بذلك، ولكن كثر بذلك اهل الفساد بدون كثرة اهل العلم. وتطرق بذلك قوم إلى ثلب الحكمة، وقوم إلى ثلب الشريعة، وقوم إلى الجمع بينهما. ويشبه أن يكون هذا احد، مقاصده بكتبه. والدليل على أنه رام بذلك تنبيه الفطر، أنه لم يلزم مذهبًا في كتبه، بل هو مع الأشعرية، اشعري، ومع الصوفية، صوفي، ومع الفلاسفة فيلسوف، حتى أنه كما قيل:
[ ٥٢ ]
يومًا يمان إذا لاقيت ذا يمن وأن لقيت معديًا فعدنان،