في فضل المقال ﵁
أدام الله عزتكم، وأبقى بركتكم، وحجب عيون النوائب عنكم.
لما فقتم بجودة ذهنكم وكريم طبعكم كثيرًا ممن يتعاطى هذه العلوم، وانتهى نظركم السديد إلى ان وقفتم على الشك العارض في علم القديم سبحانه، مع كونه متعلقًا بالأشياء المحدثة عنه، وجب علينا لمكان الحق ولمكان ازالة هذه الشبهة عنكم ان نحل هذا الشك بعد ان نقول في تقريره. فان من لم يعرف الربط لم يقدر على الحل.
[ ٧١ ]
والشك يلزم هكذا: ان كانت هذه كلها في علم الله سبحانه قبل أن تكون، فهل هي في حال كونها في علمه كما كانت فيه قبل كونها؟ ام هي في علمه في حال وجودها على غير ما كانت عليه في علمه قبل أن توجد؟ فان قلنا انها في علم الله في حال وجودها على غير ما كانت عليه في علمه قبل أن توجد، لزم ان يكون العلم القديم متغيرا، وان يكون إذا خرجت من العدم إلى الوجود قد حدث هنالك علم زائد. وذلك مستحيل على العلم القديم. وان قلنا في العلم بها واحد في الحالتين، قيل فهل هي في نفسها - اعني الموجودات الحادثة - قبل ان توجد كما هي حين ما وجدت؟ فسيجب ان يقال ليست في نفسها قبل أن توجد كما هي حين ما وجدت، والا كان الموجود والمعدوم واحدًا.
فاذا سلم الخصم هذا، قيل له: أفليس العلم الحقيقي هو معرفو الوجود على ما هو عليه؟ فاذا قال: نعم، قيل: فيجب على هذا إذا اختلف الشيء في نفسه
[ ٧٢ ]
ان يكون العلم به ويختلف، والا فقد علم على غير ما هو عليه. فاذًا يجب احد امرين: اما أن يختلف العلم القديم في نفسه، أو تكون الحادثات غير معلومة له، وكلا الأمرين مستحيل عليه سبحانه.
ويؤكد هذا الشك ما يظهر من حال الانسان، اعني من تعلق علمه بالأشياء المعدومة على تقدير الوجود وتعلق علمه بها إذا وجدت. فانه من البين بنفسه أن العلمين متغايران، والا كان جاهلًا بوجودها في الوقت الذي وجدت فيه.
وليس ينجي من هذا ما جرت به عادة المتكلمين في الجواب عن هذا، بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها على ما تكون عليه في حين كونها من زمان ومكان وغير ذلك من الصفات المختصة بموجود موجود. فانه يقال لهم: فاذا وجدت، فهل حدث هنالك تغير أو لم يحدث؟ وهو خروج الشيء من العدم إلى الوجود. فان قالوا: لم يحدث فقد كابروا. وان قالوا: حدث هناك تغير، قيل لهم: فهل حدوث هذا التغير معلوم للعلم القديم ام لا؟ فيلزم الشك المتقدم. وبالجملة فيعسر أن يتصور أن العلم بالشيء قبل أن يوجد والعلم به بعد أن وجد علم واحد بعينه.
[ ٧٣ ]
فهذا هو تقرير هذا الشك على ابلغ ما يمكن ان يقرر به، على ما فاوضناكم فيه.
وحل هذا الشك يستدعي كلامًا طويلًا، الا انا ههنا نقصد للنكتة التي بها ينحل.
وقد رام ابو حامد حل هذا الشك في كتابه الموسوم التهافت بشيء ليس فيه مقنع، وذلك انه قال قولًا معناه هذا: وهو انه زعم أن العلم والمعلوم من المضاف، وكما انه قد يتغير احد المضافين ولا يتغير المضاف الآخر في نفسه، كذلك يشبه أن يعرض للأشياء في علم الله سبحانه، اعني أن تتغير في انفسها ولا يتغير علمه سبحانه بها. ومثال ذلك في المضاف انه قد تكون الاسطوانة الواحدة يمنة زيد ثم تعود يسرته وزيد بعد لم يتغير في نفسه.
[ ٧٤ ]
وليس بصادق. فان الاضافة قد تغيرت في نفسها، وذلك أن الاضافة التي كانت يمنة قد عادت يسرة، وإنما الذي لن يتغير هو موضوع الاضافة، اعني الحامل لها الذي هو زيد. واذا كان ذلك كذلك، وكان العلم هو نفس الاضافة، فقد يجب أن يتغير عند تغير المعلوم، كما تتغير الاسطوانة إلى زيد عند تغيرها، وذلك إذا عادت يسرة بعد أن كانت يمنة.
والذي ينحل به هذا الشك عندنا هو أن يعرف أن الحال ني العلم القديم مع الموجود خلاف الحال في العلم المحدث مع الموجود، وذلك أن وجود الموجود هو علة وسبب لعلمنا، والعلم القديم هو علة وسبب للموجود. فلو كان، إذا وجد الموجود بعد أن لم يوجد، حدث في العلم القديم علم زائد كما يحدث ذلك في العلم المحدث، للزم ام يكون العلم القديم معلولًا للموجود لاعلة له. فاذًا واجب أن لا يحدث هنالك تغير كا يحدث في العلم المحدث. وإنما اتى هذا الغلط من قياس العلم القديم على العلم المحدث، وهو قياس الغائب على الشاهد. وقد عرف فساد هذا القياس. وكما انه لا يحدث في الفاعل تغير عند وجود مفعوله، اعني تغيرًا لم يكن قبل ذلك، كذلك لا يحدث في العلم القديم سبحانه تغير عند حدوث معلومه، عنه.
[ ٧٥ ]
فاذًا قد انحل الشك، ولم يلزمنا انه. إذا لم يحدث هنالك تغير اعني في العلم القديم فليس يعلم الموجود في حين حدوثه على ما هو عليه، وإنما لزم الا يعلمه بعلم محدث الا بعلم قديم، لأن حدوث التغير في العلم عند تغير الموجود إنما هو شرط في العلم المعلول عن الموجود، وهو العلم المحدث.
فإذًا العلم القديم إنما يتعلق بالموجودات على صفة غير الصفة التي يتعلق بها العلم المحدث، لا انه غير متعلق أصلًا كما حكي عن الفلاسفة انهم يقولون لموضع هذا الشك انه سبحانه لا يعلم الجزئيات. وليس الأمر كما توهم عليهم، بل يرون انه لا يعلم الجزئيات بالعلم المحدث الذي من شرطه الحدوث بحدوثها، إذ كان علة لها لا معلولا عنها كالحال في العلم المحدث. وهذا هو غاية التنزيه الذي يجب أن يعترف به.
فانه قد اضطر البرهان إلى انه عالم بالأشياء لأن صدورها عنه إنما هو من جهه انه عالم، لا من جهة انه موجود فقط أو موجود بصفة كذا، بل من جهة انه عالم، كما قال تعالى: " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " وقد اضطر البرهان إلى انه غير عالم بها بعلم هو على صفة العلم المحدت. فواجب أن يكون هنالك للموجودات علم آخر لا يكيف، وهو العلم القديم سبحانه. وكيف يمكن أن يتصور أن المشائين من الحكماء يرون أن العلم
[ ٧٦ ]
القديم لا يحيط بالجزئيات، وهم يرون انه سبب الإنذار في المنامات والوحي وغير ذلك من أنواع الإلهامات؟ فهذا ما ظهر لنا في وجه حل هذا الشك، وهو أمر لا مرية فيه ولا شك. والله الموفق للصواب والمرشد للحق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٧٧ ]