أهل البرهان وأهل القياس
وأما الأشياء التي لخفائها لا تعلم الا بالبرهان فقد تلطف الله فيها لعباده، الذين لا سبيل لهم إلى البرهان، اما من قبل فطرهم، واما من قبل عادتهم، واما من قبل عدمهم اسباب التعلم، بأن ضرب لهم امثالها وأشباهها ودعاهم إلى التصديق بتلث الأمثال، اذ كانت تلك الأمثال يمكن أن يقع التصديق بها بالأدلة المشتركة للجميع، اعني الجدلية والخطابية. وهذا هو السبب في أن أنقسم، الشرع إلى ظاهر وباطن. فإن الضاهر هو تلك الأمثال المضروبة لتلك المعاني، والباطن هو تلك المعاني التي لا تنجلي إلا لأهل البرهان. وهذه هي اصناف تلك الموجودات الأربعة أو الخمسة التي ذكرها ابو حامد في " كتاب، التفرقة.
[ ٤٦ ]
واذا اتفق كا قلنا أن نعلم الشيء بنفسه بالطرق الثلاث، لم نحتج أن نضرب له امثالًا،، وكان على ظاهره لا يتطرق اليه تأويل. وهذا النحو من الظاهر أن كان في الأصول فالمتأول له كافر، مثل من يعتقد أنه لا سعادة أخروية ههنا ولا شقاء، وأنه إنما قصد بهذا القول أن يسلم، الناس بعضهم من بعض في ابدانهم وحواسهم، وانها حيلة، وأنه لا غاية للانسان الا وجوده المحسوس فقط.
واذا تقرر، هذا، فقد ظهر لك من قولنا أن ههنا ظاهرًا من الشرع
[ ٤٧ ]
لا يجوز تأويله. فإنا كان نأويله في المبادئ فهو كفر، وأن كان فيما بعد المبادىء فهو بدعة. وههنا ايضًا ظاهره يجب على اهل البرهان تأويله، علهم اياه على ظاهره كفر. وتأويل غير اهل البرهان له واخراجه عن ظاهره كفر في حقهم أو بدعة. ومن هذا الصنف آية الاستواء وحديث النزول. ولذلك قال ﵇ في السوداء اذ اخبرته أن الله في السماء " اعتقها فإنها مؤمنة " اذ كانت ليست من اهل البرهان.
والسبب في ذلك أن الصنف من الناس الذين لا يقع لهم التصديق الا من قبل التخيل - اعني أنهم لا يصدقون بالشيء الا من جهة ما يتخيلونه - يعسر وقوع التصديق لهم بموجود ليس منسوبًا إلى شيء متخيل.
[ ٤٨ ]
ويدخل ايضًا على من لا يفهم من هذه النسبه الا المكان، وهم الذين شدوا على رتبة الصنف الأول قليلًا في النظر بانكار اعتقاد الجسمية. ولذلك كان الجواب لهؤلاء في امثال هذه أنها من المتشابهات، وأن الوقف في قوله تعالى: " وما يعلم تأويله الإ الله ". واهل البرهان مع أنهم مجمعون في هذا الصنف أنه من المؤول فقد يختلفون في تأويله، وذلك بحسب مرتبة كل واحد من معرفة البرهان.
وههنا صنف ثالث من الشرع متردد بين هذين الصنفين يقع فيه شك، فيلحقه قوم ممن يتعاطى النظر بالظاهر الذي لا يجوز تأويله، ويلحقه آخرون بالباطن الذى لا يجوز حمله على الظاهر للعلماء، وذلك لعواصة هذا الصنف واشثباهه. والمخطىء. في هذا معذور - اعني من العلماء.