ولما كانت طرق التصديق منها ما هي عامة لأكثر الناس اعني وقوع التصديق من قبلها وهي الخطابية، والخطابية، أعم من الجدلية. ومنها ما هي خاصة لأقل الناس وهي البرهانية، وكان الشرع كل مقصوده الأول العناية بالأكثر من غير اغفال تنبيه الخواص، كانت أكثر الطرق المصرح بها في الشريعة هي الطرق المشتركة للأكثر في وقوع التصور والتصديق.
هذه الطرق هي في الشريعة على أربعة أصناف:
احدها أن تكون مع أنها مشتركة خاصة في الأمرين جميعًا، اعني أن تكون في التصور والتصديق يقينية، مع أنها خطابية أو جدلية. وهذه المقاييس هي المقاييس التي عرض لمقدماتها، مع كونها مشهورة أو مظنونة، أن تكون يقينية، وعرض لنتائجها أن أخذت أنفسها دون مثالاتها. وهذا، هو الصنف من الأقاويل الشرعية ليس له تأويل والجاحد له أو المتأول كافر.
والصف الثاني أن تكون المقدمات، مع كونها مشهورة أو مظنونة،
[ ٥٦ ]
يقينية، وتكون النتائج مثالات للأمور التي قصد انتاجها. وهذا يتطرق إليه التأويل، اعني لنتائجه.
والثالث عكس كل هذا، وهو أن تكون النتائج هي الأمر التي قصد انتاجها نفسها، وتكون المقدمات مشهورة أو مظنونة من غير أن يعرض لها ان تكون يقينية. وهذا أيضًا لا يتطرق إليه تأويل، اعني لنتائجه، وقد يتطرق لمقدماته.
والرابع أن تكون مقدماته مشهورة أو مظنونة من غير أن يعرض لها أن تكون يقينية، وتكون نتائجه مثالات لما قصد انتاجه. هذه فرض الخواص فيها تأويل، وفرض الجمهور اقرارها امرارها على ظاهرها.
وبالجملة، فكل ما يتطرق له من هذه تأويل لا يدرك إلا بالبرهان، ففرض الخواص فيه هو ذلك التأويل، وفرض الجمهور هوحملها على ظاهرها في الوجهين جميعًا، اعني في التصور والتصديق، اذ كان ليس في طباعم أكثر من ذلك.
وقد يعرض للنظار في الشريعة تأويلات من قبل تفاضل الطرق المشتركة بعضها على بعض في التصديق، اعني إذا كان دليل التأويل اتم اقناعًا من دليل الظاهر. وامثال هذه التأويلات هي جمهورية.
ويمكن أن يكون فرض من بلغت قواهم النظرية إلى القوة الجدلية، وفي هذا الجنس يدخل بعض تأويلات الأشعرية والمعتزلة، وإن كانت المعتزلة في الأكثر أوثق أقوالًا.
[ ٥٧ ]
وأما الجمهور الذين لا يقدرون على أكثر من الأقاويل الخطابية، ففرضهم امرارها على ظاهرها، ولا يجوز أن يعلموا ذلك التأويل اصلًا.