ويشبه أن يكون المختلفون في تأويل هذه المسائل العويصة أما مصيبين مأجوري، واما مخطئين معذورين. فإن التصديق بالشيء من قبل الدليل القائم في النفس، هو شيء اضطراري لا اختياري، اعني أنه ليس لنا أن لا نصدق أو نصدق، كما لنا أن نقوم أو لا نقوم.
[ ٤٣ ]
وإذا كان من شرط التكليف الاختيار، فالمصدق بالخطأ من قبل شبهة عرضت له إذا كان من اهل العلم معذور. ولذلك قال ﵇: " إذ اأجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا، أخطأ فله أجر ". وأي حاكم أعظم من الذي يحكم على الوجود بأنه، كذا أو ليس بكذا. وهؤلاء الحكام هم العلماء الذين خصهم الله بالتأويل. وهذا الخطأ المصفوح عنه في الشرع، إنما هو الخطأ الذي يقع، من العلماء إذا نظروا في الأشياء العويصة التي كلفهم الشرع النظر فيها.
وأما، الخطأ الذي يقع من غير هذا الصنف من الناس فهو اثم محض، وسواء كأن الخطأ في الأمور النظرية أو العملية،. فكما، أن الحاكم الجاهل بالسنة إذا اخطأ في الحاكم لم يكن معذورًا، كذلك الحاكم! الموجودات إذا لم توجد فيه شروط الحاكم " فليس بمعذور، بل هو إما آثم وإما كافر. وإذا كأن يشترط في الحاكم في الحلال والحرام أن تجتمع، له
[ ٤٤ ]
اسباب الاجتهاد - وهو معرفة الأصول ومعرفة الاستنباط من تلك الأصول بالقياس - فكم والحري أن يشترط ذلك في الحاكم على الموجودات، اعني أن يعرف الأوائل العقلية ووجه الاستنباط منها.
وبالجملة فالخطأ في الشرع على ضربين: إما خطأ يعذر فيه من هو من أهل النظر في ذلك الشيء الذي وقع فيه الخطأ - كا يعذر الطبيب الماهر إذا اخطأ في صناعة الطب، والحاكم الماهر إذا اخطأ في الحكم. ولا يعذر فيه من ليس من اهل ذلك الشأن. واما خطأ ليس يعذر فيه احد من الناس، بل أن وقع في مبادىء الشريعة فهو كفروان وقع فيما بعد المبادئ فهو بدعة.