فيجب على من اراد أن يرفع هذه البدعة عن الشريعة أن يعمد إلى الكتاب العزيز فيلتقط منه الاستدلالات الموجودة في شيء شيء مما كلفنا اعتقاده، واجتهد في نظره ظاهرًا ما امكنه من غير أن يتأول من ذلك شيئًا الا إذا كان التأويل ظاهرًا بنفسه اعني ظهورًا مشتركًا للجميع. فان الأقاويل الموضوعة في الشرع لتعليم الناس إذا تؤملت، يشبه أن يبلغ من نصرتها إلى حد لا يخرج عن ظاهرها ما هو منها ليس على ظاهره الا من كان من اهل البرهان. وهذه الخاصة ليست توجد لغيرها من الأقاويل.
فان الأقاويل الشرعية المصرح بها في الكتاب العزيز للجميع لها ثلاث خواص دلت على الاعجاز:
[ ٦٥ ]
احداها انه لا يوجد اتم اقناعًا وتصديقًا للجميع منها، والثانية انها تقبل النصرة بطبعها إلى أن تنتهى إلى حد لا يقف على التأويل فيها - أن كانت مما فيها تأويل - الا أهل البرهان، والثالئة انها تتضمن التنبيه لأهل الحق على التأويل الحق.
وهذا ليس يوجد لا في مذاهب الأشعرية ولا في مذاهب المعتزلة: اعني أن تأويلهم لا يقبل النصرة ولا يتضمن التنبيه على الحق ولا هو حق ولذلك كثرت البدع. وبودنا لو تفرغنا لهذا المقصد وقدرنا عليه، وان انسأ الله في العمر فسنثبت فيه قدر ما تيسر لنا منه، فعسى أن يكون ذلك مبدأ لمن يأتي بعد. فان النفس مما تخلل هذه الشريعة من الأهواء الفاسدة والاعتقادات المرفة في غاية الحزن والتألم، وبخاصة ما عرض لها من ذلك من قبل من ينسب نفسه إلى الحكمة. فان الاذاية من الصديق هي اشد من الاذاية من العدو،
[ ٦٦ ]
اعني أن الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة، فالاذاية ممن ينسب اليها اشد االاذاية مع ما يقع بينهما من العداوة والبغضاء والمشاجرة، وهما المصطحبتان بالطبع المتحابان بالجوهر والغريزة. وقد آذاها ايضًا كثير من الأصدقاء الجهال ممن ينسبون انفسهم إليها، وهي الفرق الموجودة فيها. والله يسدد الكل ويوفق الجميع لمحبته ويجمع قلوبهم على تقواه ويرفع عنهم البغض والشنآن بفضله وبرحمته. وقد رفع الله كثيرًا من هذه الشرور والجهالات والمسالك المضلات بهذا الأمر الغالب. وطرق به إلى كثير من الخيرات وبخاصة على الصنف الذين سلكوا مسلك النظر ورغبوا في معرفة الحق. وذلك إنه دعا الجمهور من معرفة الله سبحانه إلى طريق وسط ارتفع عن حضيض المقلدين وانحط عن تشغيب المتلكمين، ونبه الخواص على وجوب النظر التام في اصل الشريعة. والله الموفق والهادي بفضله.
[ ٦٧ ]