من أباح التأويل للجمهور فقد أفسده
فاذا الناس في الشريعة على ثلاثة اصناف: صنف، ليس هو من اهل التأويل اصلًا، وهم الخطابيون الذين هم الجمهور الغالب. وذلك انه ليس يوجد احد سليم العقل يعرى من هذا النوع من التصديق.
وصنف هو من اهل التأويل الجدلي، وهؤلاء هم الجدليون بالطبع فقط، أو بالطبع والعادة.
وصنف هو من اهل التأويل اليقيني، وهؤلاء هم البرهانيون بالطبع والصناعة، اعني صناعة الحكمة.
وهذا التأويل ليس ينبغي أن يصرح به لأهل الجدل فضلًا عن الجمهور. ومتى صرح بشيء من هذه التأويلات لمن، هو من غير اهلها، وبخاصة التأويلات البرهانية لبعدها عن المعارف المشتركة، افضى ذلك بالمصرح له والمصرح إلى الكفر. والسبب في ذلك أن مقصوده ابطال الظاهر واثبات المؤول، فاذا بطل الظاهر عند من هو من اهل الظاهر، ولم يثبت المؤول عنده، اداه ذلك إلى الكفر، أن كان في اصول الشريعة.
[ ٥٨ ]
فالتأويلات ليس ينبغي أن يصرح بها للجمهور ولا أن تثبت في الكتب الخطابية أو الجدلية - اعني الكتب التي الأقاويل الموضوعة فيها من هذين الصنفين، كما صنع ذلك ابو حامد.
ولهذا، يجب أن يصرح ويقال في الظاهر الذي الأشكال في كونه ظاهرًا بنفسه للجميع وكون معرفة تأويله غير ممكن فيهم، انه متشابه لا يعلمه الا الله، وان الوقف يجب ههنا في قوله تعالى: " وما يعلم تأويله إلا الله ".
وبمثل هذا يأتي الجواب ايضًا في السؤال عن الأمور الغامضة التي لا سبيل للجمهور، إلى فهمها، مثل قوله تعالى: " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم الا قليلًا ".
وأما المصرح بهذه التأويلات لغير اهلها فكافر لمكان دعائه الناس إلى الكفر. وهو ضد دعوى الشارع وبخاصة متى كانت تأويلات فاسدة في اصول الشريعة، كما عرض ذلك لقوم من أهل زماننا. فانا قد شهدنا منهم اقوامًا ظنوا انهم د، تفلسفوا وانهم قد ادكوا بحكمتهم العبجيبة اشياء مخالفة للشرع من جميع
[ ٥٩ ]
الوجوه، اعني لا تقبل تأويلًا، وان الواجب هو التصريح بهذه الأشياء للجمهور. فصاروا بتصريحهم للجمهور بتلك الاعتقادات الفاسدة سببًا لهلاك الجمهور وهلاكهم في الدنيا والآخرة.
ومثال مقصد، هؤلاء مع مقصد الشارع مثال من قصد إلى طبيب ماهر قصد إلى حفظ صحة جميع الناس وازالة الأمراض عنهم بأن وضع لهم اقاويل مشتركة التصديق في وجوب استعمال الأشياء التي تحفظ صحتهم وتزيل امراضهم وتجنب اضدادها، اذ لم يمكنه فيهم أن يصير جميعهم اطباء، لأن الذي يعلم الأشياء الحافظة للصحة والمزيلة للمرض بالطرق البرهانية هو الطبيب. فتصدى هذا إلى الناس وقال لهم: أن هذه الطرق التي وضعها لكم هذا الطبيب ليست بحق، وشرع في ابطالها حتى بطلت عندهم. أو قال: أن لها تأويلات، فلم يفهموها ولا وقع لهم من قبلها تصديق في العمل. أفترى الناس الذين حالهم هذه الحال يفعلون شيئًا من الأشياء النافعة في حفظ الصحة وازالة المرض؟ أو يقدر هو لا على استعمالها معهم ولا هم يستعملونها، فيشملهم الهلاك.
[ ٦٠ ]
هذا أن صرح لهم بتأويلات صحيحة في تلك الأشياء لكونهم لا يفهمون ذلك التأويل، فضلًا أن صرح لهم بتأويلات فاسدة. لأنه لا يؤول بهم الأمر إلى أن لا يروا أن ههنا صحة يجب ان تحفظ ولا مرضًا يجب أن يزال، فضلًا عن أن يروا أن ههنا اشياء تحفظ الصحة وتزيل المرض. وهذه هي حال من يصرح بالتأويل للجمهور ولمن ليس هو بأهل له مع الشرع. ولذلك هو مفسد له وصاد عنه. والصاد عن الشرع كافر.
الشرع يصلح النفوس والطب يصلح الابدان وإنما كان هذا التمثيل يقينيًا وليس بشعري، كما للقائل، أن يقول، لأنه صحيح التناسب. وذلك أن نسبة الطبيب إلى صحة الأبدان نسبة الشارع إلى صحة الأنفس: اعني أن الطبيب هو الذي يطلب أن يحفظ صحة الأبدان إذا وجدت، ويستردها إذا عدمت، والشارع هو الذي يبتغي، هذا في صحه الأنفس. وهذه الصحة هي المسماة تقوى.
وقد صرح الكتاب العزيز بطلبها بالأفعال الشرعية في غير ما آية. فقال تعالى: " كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ". وقال تعالى: "
[ ٦١ ]
لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ". وقال: " أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " إلى غير ذلك من الآيات التي تضمنها الكتاب العزيز من هذا المعنى. فالشارع إنما يطلب بالعلم الشرعي هذه الصحة. وهذه الصحة هي التي تترتب عليها السعادة الأخروية وعلى ضدها الشقاء الأخروي.
فقد تبين لك من هذا انه ليس يجب أن تثبت التأويلات الصحيحة في الكتب الجمهورية فضلًا عن الفاسدة. والتأويل الصحيح هي الأمانة التي حمالها الانسان فأبى أن يحملها وأشفق منها جميع الموجودات، اعني المذكورة في قوله تعالى: " انا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال " الاية. ومن قبل التأويلات والظن بأنها مما يجب أن يصرح بها في الشرع للجميع، نشأت فرق الإسلام حتى كفر بعضهم بعضًا،
[ ٦٢ ]
وبخاصةً الفاسدة منها. فأولت المتعزلة آيات كثيرة وأحاديث كثيرة وصرحوا بتأويلهم للجمهور، وكذلك فعلت الأشعرية، وان كانت اقل تأويلًا. فأوقعوا الناس من قبل ذلك في شنآن وتباغض وحروب، ومزقوا الشرع وفرقوا الناس كل التفريق.