[١٤] وَتعْتَبر عادات النَّاس وأديانهم. كمن يرى أَنه يَأْكُل الباقلاء الْأَخْضَر، فَإِنَّهُ عِنْد الصائبة: مَال حرَام، ونكد، لِأَنَّهُ محرم عَلَيْهِم. وَالْمَجُوس يحرمُونَ لُحُوم الْبَقر، وَالْيَهُود يحرمُونَ الْخمر، فَهَذَا وَمَا أشبهه: حرَام عِنْد من يرى ذَلِك، وأرزاق وفوائد عِنْد من يحلهَا. كَمَا أَن الْمَرْأَة إِذا رَأَتْ أَنَّهَا تَزني، وَالنَّاس يبصرونها: فَهِيَ شهرة ردية، ونكد. فَإِن كَانَت بِالْهِنْدِ: دلّ على أَنَّهَا تتقرب، وتشتهر بِعبَادة، وبر، وَيكون لَهَا ثَنَاء مليح، لأَنهم يَتَقَرَّبُون إِلَى الله تعلى بِالزِّنَا. جلّ الله / تَعَالَى عَن ذَلِك. كَمَا أَن الْمَجُوس تعبد النَّار، فَإِذا رأى أحدهم كَأَنَّهُ قد أوقد نَارا، أَو صرف عَنْهَا الْأَذَى، أَو سجد لَهَا: كَانَ ذَلِك عِنْدهم جيدا، وَفَائِدَة، وَعبادَة. وَكَذَلِكَ عباد الشَّمْس إِذا رأوها: فِي صفة حَسَنَة.
[ ١٥٤ ]
وَأما إِن نزلت بأحدهم آفَة: فنقصان يَقع فِي دينهم، وبلادهم. وَكَذَلِكَ كل من يعبد شَيْئا، كَانَ حكمه كَذَلِك، سَوَاء كَانَ فِي السَّمَاء، أَو فِي الأَرْض، أَو تعظمه. فَإِن نزلت بأحدهم نُقْصَان: فَإِنَّهُ يدْخل عَلَيْهِم فِي دينهم، أَو بِلَادهمْ، أَمر ردي. قَالَ المُصَنّف: الباقلاء الْأَخْضَر تحرمه الصائبة لكَون من يعظمونه كَانَ يَقُول: مبدأي من نواره، وقوتي من أخضره، ويابسه مُبَاح لكم. وَجَمِيع أهل الْأَدْيَان كلهم رسموا عادات لتباعهم ضبطًا لَهُم عَن التَّعَدِّي عَن شرعهم، فَصَارَت قَائِمَة مقَام الدّين الْمَشْرُوع عِنْدهم. وَإِنَّمَا ذكر ذَلِك لِئَلَّا يَقُول قَائِل هَذَا لَيْسَ بِمحرم فِي أصل الشَّرْع فَكيف حكمت عَلَيْهِ بِأَنَّهُ حرَام، أَو بِدعَة، أَو أَنه مُخَالف. فَيكون الْجَواب مَا ذَكرْنَاهُ لِئَلَّا يهمل فِي التَّأْوِيل نفع الحكم عِنْدهَا، أَو قَرِيبا مِنْهَا، فَاعْلَم ذَلِك. والهنود اتَّخذت بيُوت البد وَهُوَ من كَانَ لَهُ مَال بنى مَكَانا، وأوقف عَلَيْهِ جواري يمدحونه فِي أَوْقَات مَخْصُوصَة بِمَا كَانَ يفعل. وعبادهم يقصدون هَذِه الْأَمَاكِن ليترحموا على صَاحبه. فَلذَلِك العابد أَن يَزْنِي مَعَ أَي من اخْتَار من تِلْكَ الْجوَار خَاصَّة، يقْصد بذلك إِيصَال الثَّوَاب لتِلْك الْجَارِيَة، فَصَارَ ذل غير منكور عِنْدهم. وَلما أَن عظم عباد الشَّمْس وَالنَّار بِالسُّجُود لَهَا ولسائر الْأَنْوَار إِكْرَاما لخالقها ﷿ إعتقد جهالهم أَنَّهَا آلِهَة، صَار حكمهم حكم الدّين، فَلذَلِك مِمَّا حدث فيهم من خير أَو شَرّ رَجَعَ إِلَى دينهم فاعرف ذَلِك.
[ ١٥٥ ]