[١٣٩] من بنى مَكَانا قريه أَو حكم عَلَيْهِ كالمساجد والمدارس والزوايا والخوانك سور الْبَلَد والقناطر والبيمارستان والخانات للسبيل، أَو حفر خَنْدَقًا أَو بِئْرا لنفع النَّاس، أَو بركَة وَمَا أشبه ذَلِك، فَإِن كَانَ أَهلا للولاية تولى، وَإِن كَانَ مُتَوَلِّيًا نصب للنَّاس رجلا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، أَو يَشْمَل خَيره أهل ذَلِك الْمَكَان، وَإِن كَانَ عَالما رُبمَا صنف كتابا فِيهِ نفع أَو نفع النَّاس بفتاويه، وَإِن كَانَ عابدًا انْتفع النَّاس بدعائه أَو نصب للنَّاس من يردهم إِلَى طَاعَة الله.
[١٤٠] فصل: وَأما إِن كَانَ صَاحب مَال انْتفع النَّاس بمعروفه، وَإِن كَانَ صَاحب صَنْعَة أَو معيشة اسْتَفَادَ مِنْهَا، وَإِن كَانَ فَاعل ذَلِك فَاسِقًا أَو
[ ٣١٧ ]
كَافِرًا تَابَ وَرجع إِلَى الله تَعَالَى، وَإِن كَانَ أعزب تزوج، وَإِن كَانَ مزوجًا رزق ذُرِّيَّة صالحين، وَإِن كَانَ فَقِيرا اسْتغنى، وَإِن كَانَ مَرِيضا بَرِيء وَقدم النَّاس يُبَشِّرُونَهُ بالعافية، هَذَا كُله إِن بناه بِآلَة تلِيق بِمثلِهِ فِي ذَلِك الْمَكَان. وَإِن بناه بِآلَة لَا تلِيق بِهِ: تقرب إِلَى اله تَعَالَى أَو إِلَى الأكابر أَو إِلَى النَّاس، أَو تزوج، بالأموال الردية. وَأما من هدم شَيْئا من ذَلِك: سعى فِي زَوَال رجل للنَّاس فِيهِ نفع، وَرُبمَا مَاتَ كَبِير ذَلِك الْمَكَان. قَالَ المُصَنّف: إِنَّمَا دلّ الْبناء على الْولَايَة كالملوك ونوابهم لِأَن الْغَالِب أَن مَا يبْنى أَو يحكم على ذَلِك المذكورون، وَانْظُر إِذا بنى أَو تحكم على شَيْء من ذَلِك فأعطه على مَا يَلِيق بِهِ، كَمَا قَالَ إِنْسَان: رَأَيْت أنني فَوق خانقاه وَأَنا آمُرهُم وأنهاهم، وَعلي ثِيَاب ردية، قلت: يحصل لأهل ذَلِك الْمَكَان نكد مِنْك، وَيكون الذَّنب لَك، وَدَلِيله لكونك تحكمت على من لَا يَلِيق بك الحكم عَلَيْهِم. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني بنيت خَانا للسبيل، قلت: من أعبرت إِلَيْهِ، قَالَ: عبر إِلَيْهِ غنم وذئاب، قلت: أَنْت تجمع المفسدين وقطاع الطَّرِيق وأرباب الْأَمْوَال وتحسن إِلَيْهِم، وتعتقد أَنَّك على صَوَاب، وَأَنت على الْخَطَأ، ونخشى عَلَيْك نكد من غَرَامَة، فَعَن قَلِيل أضَاف أَقْوَامًا مفسدين سرقوا ودائعًا كَانَت عِنْده، وغرمها، لِأَن الْغنم كَالْوَدِيعَةِ فِي الخان والذئاب
[ ٣١٨ ]
مفسدون لَا يصبرون إِذا رَأَوْا الْغنم. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أبني لسيدي سورًا مليحًا وعَلى دور النَّاس آخر، قلت: ظاهرك الْخَيْر، وَأَنت تدعوا لأولئك، وَقد أفلحوا بك. وَمثله قَالَ آخر / غير أَنه قَالَ ابنيه حول امْرَأَة، قلت: بِأَيّ شَيْء كنت تبنبه، قَالَ: بزجاج، قلت: أَنْت تحب هَذِه الْمَرْأَة، وتعمل لَهَا كتاب سحر وَمَا ينفع. ويدلون على الْعلمَاء وأرباب الدّين لحراسة النَّاس بهم إِمَّا بدعائهم أَو بفتاويهم الَّتِي تحرس من الْوُقُوع فِي الْمُحرمَات، ودلوا على الصَّنَائِع وَالْأَمْوَال لِأَن الْبَانِي لذَلِك إِنَّمَا يكون غَالِبا لمن لَهُ قدرَة فَتَارَة بِالْمَالِ وَتارَة بالصنعة المحصلة لِلْمَالِ، ويدلوا أَيْضا على دفع البلايا فِي الدُّنْيَا، ويدلوا على تَزْوِيج العزاب لِأَنَّهُ يُقَال للمتزوج: بنى فلَان على أَهله أَي عبر عَلَيْهَا، ودلوا على الذَّرَارِي لكَونه ثمَّ مَا عمله من المَاء والطين، وركوب الْوَاحِد فَوق الآخر فَأعْطى الذُّرِّيَّة فَوق مَا ذكرنَا، ودلوا على عَافِيَة الْمَرِيض لِأَن الْمَكَان كجسم الرَّائِي وَقد تجدّد لَهُ ذَلِك فَأعْطَاهُ الْعَافِيَة. وَأما إِذا بناه بِآلَة لَا تلِيق بِهِ فَتكلم عَلَيْهِ بِمَا يصلح لَهُ. كَمَا قَالَ لي رجل تَاجر: رَأَيْت أنني أبني بركَة بحجارة ملح وَهِي حِجَارَة جِيَاد، قلت: عزمت على شري سكر وتحمله فِي مركب فِي الْبَحْر، قَالَ: نعم، قلت: يلْحقهُ الموج فيتلف أَو يغرق، فَجرى ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني بنيت بُيُوتًا من عسل، قلت: كَانَت فِي الشَّمْس أم فِي الظل، قَالَ: بل فِي الشَّمْس، قلت:
[ ٣١٩ ]
أَنْت تعرف تعْمل الْحَلَاوَة الَّتِي تنفخ وتعمل مِنْهَا كاللعاب وكيزان الفقاع وَنَحْو ذَلِك، قَالَ: نعم، قلت: تمرض وَتبطل فائدتك من ذَلِك، فَجرى.
[١٤١] فصل: وَأما من بنى فندقًا أَو دكانًا أَو حَماما أَو فرنًا أَو مسلخًا أَو طاحونًا أَو ملكه أَو تحكم فِيهِ فَإِن كَانَ أعزب تزوج وَإِن كَانَ آهلًا للْملك تملك، أَو للولاية تولى، أَو يرْزق ولدا وَإِلَّا اشْترى عبدا أَو جَارِيَة أَو دَابَّة، أَو تَجَدَّدَتْ لَهُ معيشة دَاره، وَأما إِن كَانَ عبدا ترك الْعِبَادَة وَرجع إِلَى الدُّنْيَا، وَرُبمَا حصل للرائي نفع من أحد أَبَوَيْهِ، أَو من إخْوَته أَو أَقَاربه أَو من أملاكه، وَإِن كَانَ فَقِيرا اسْتغنى، أَو تعرف بِإِنْسَان يَنْفَعهُ.
[١٤٢] فصل: ويدلوا على الأكابر والملوك لما فيهم من الصندوق وَجمع المَال، والحرس والأمناء، ومجيء النَّاس إِلَيْهِم ورجوعهم وَقد قضيت حوائجهم. فَإِن جعلنَا ذَلِك زوجا كَانَ لما فِي الْحمام من اللَّذَّة والاغتسال، وَخُرُوج الْعرق الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَة المنى وَكَثْرَة الْمِيَاه. وَلما فِي الطاحون من زَوجي الْحِجَارَة، وركوب الْوَاحِد فَوق الآخر. وَلما فِي الفندق من النّوم والراحة للْمُسَافِر وَمَا أشبه ذَلِك. وَإِن جعلنَا كل وَاحِد ملكا أَو عَالما أَو عابدًا لمجيء النَّاس إِلَيْهِ وانتفاعهم بِهِ.
[ ٣٢٠ ]
قَالَ المُصَنّف: انْظُر إِذا بنى شَيْئا من ذَلِك وأعطه من الْخَيْر وَالشَّر مل يَلِيق بِهِ فِي وقته. كَمَا قَالَ الْإِنْسَان: رَأَيْت أنني بنيت فندقًا، قلت لَهُ: يحدث لَك سفر جيد وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني هدمت فندقًا، قلت لَهُ: تجهزت للسَّفر والساعة يبطل سفرك، فَكَانَ كَذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني جددت حَماما فِي دَاخل حمام، قلت لَهُ: اغْتَسَلت ثمَّ شَككت فِي غسلك فاعدته ثَانِيًا، قَالَ: نعم، وَمثله رأى آخر، قلت لَهُ: كَانَ مَاؤُهُ حارًا، قَالَ: نعم، وَكَانَ فِي زمن الصَّيف، قلت لَهُ: كَانَ يعتريك حمى وَاحِدَة صَارَت تعتريك حماتان، قَالَ: نعم. وَمثله رأى آخر، قلت لَهُ: أَيّمَا أحسن الْحمام الدَّاخِلَة أَو الْخَارِجَة، قَالَ: بل الدَّاخِلَة، قلت لَهُ: ستحمل زَوجتك بِغُلَام، فَكَانَ كَذَلِك. وَمثله رأى آخر، قلت: عنْدك امْرَأَتَانِ وَرُبمَا تكون إِحْدَاهُنَّ سَرِيَّة، قَالَ: صَحِيح. وَقَالَ إِنْسَان: رَأَيْت أَن فلَانا بنى لَهُ حَماما بِمَاء حَار وَكَانَ فِي الصَّيف، قلت: أهوَ مَرِيض أم لَا، قَالَ: مَرِيض، قلت: بالحمى الحارة، قَالَ: نعم، قلت: يَمُوت، فَمَاتَ. وَمثله رأى آخر إِلَّا أَنه قَالَ بِمَاء حَار فِي زمن الشتَاء، قلت لَهُ: يعافى من مَرضه، فَعُوفِيَ. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَن حَماما على يَدي فَوَقَعت من يَدي تهدمت، قلت لَهُ: كَانَ فِي يدك مجمرة أَو كَانُوا وَقع من يدك وتكسر، ضحك وَقَالَ: نعم. وَقَالَ آخر: رَأَيْت على / يَدي حَماما وَقد أَكلته، قلت: كَانَ عِنْدِي غلاية
[ ٣٢١ ]
بعتها، وأكلت ثمنهَا، قَالَ: نعم. وَقَالَ إِنْسَان: رَأَيْت أَن نجمًا من السَّمَاء وَقع على رَأْسِي وَأَنا أَغْتَسِل فَشَجَّهُ، قلت لَهُ: يَقع على رَأسك جامة من حمام فتؤذي رَأسك، فَجرى ذَلِك. وَقَالَت امْرَأَة: رَأَيْت أنني صرت ناطورة فِي حمام للرِّجَال وَالنِّسَاء والوحوش، قلت: السَّاعَة تصيرين قَابِلَة تقبلي الْبَنِينَ وَالْبَنَات وَبَعض أَوْلَاد الزِّنَا، فَذكرت أَنَّهَا صَارَت كَمَا قلت لَهَا. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني صرت حَماما، قلت: يطلع على جسمك طلوعات، فَكَانَ كَذَلِك. وَمثله رأى آخر: قلت لَهُ بقع بفؤادك إسهال. وَمثله رَأَتْ امْرَأَة، قلت: أَنْت كَثِيرَة النِّكَاح من كل جنس. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أفتح ميازيب الْحمام وَالْمَاء يجْرِي مِنْهَا بعد أَن كَانَت مسدودة، قلت: ستصير تحقن النَّاس وَيكون خلاصهم من عسر الْبَوْل فِي يدك، فَصَارَ كَذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني صرت جرنًا فِي حمام وَالنَّاس يَغْتَرِفُونَ مني مَاء، قلت لَهُ: ارْجع إِلَى الله أَنْت بك الْبغاء، فَسكت وَقَالَ: اكتم ذَلِك. وَقَالَ آخر مثل ذَلِك غير أَنه قَالَ: كَانَ فِي أَسْفَل الجرن بخش لَا يمسك المَاء، قلت لَهُ: سيقع بك إسهال شَدِيد بِحَيْثُ لَا يسْتَمْسك فُؤَادك، فَوَقع بِهِ ذَلِك، وَمَات مِنْهُ. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني صرت ضَامِن حمام، قلت لَهُ: أَنْت ضَامِن بَحر تَأْخُذ من كل من
[ ٣٢٢ ]
يَجِيء، وَيخرج، فَإِن كَانَت الْحمام مليحة ربحت وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَت امْرَأَة: رَأَيْت أنني رميت كَبِدِي فِي قدر مَاء يغلي، قلت: أصحيحة أم مَقْطُوعَة؟ قَالَت: بل كَانَت صَحِيحَة، قلت: أَنْت حَامِل وستضعين فِي حمام، فَجرى ذَلِك. وَمثله قَالَت أُخْرَى؛ قَالَت: رَأَيْت كأنني رميت كَبِدِي من دبري من مَاء حَار، قلت: تَضَعِي خُفْيَة من الزِّنَا، وتربيه امْرَأَة وقاد أَو طباخ. وَقَالَت أُخْرَى: رَأَيْت زَوجي ينظر إِلَيّ من جمامات الْحمام وَيَقُول مَا هَذَا إِلَّا كرب عَظِيم، قلت لَهَا: لَك غَائِب، قَالَت: نعم، قلت: هُوَ مَرِيض بالحمى والساعة يقدم وَيَمُوت، فَجرى ذَلِك. وَقَالَت أُخْرَى: رَأَيْت بعض من يعين عليّ من جمامات الْحمام، وَهُوَ يسْجد للزهرة، قلت لَهَا: أخْبرك منجم أَنه يعرض عَنْك وَهُوَ مشتغل عَنْك بحب امْرَأَة أُخْرَى، قَالَت: كَذَا قَالَ، قلت لَهَا: فالمرأة سَاحِرَة، قَالَت: صدقت.
[١٤٣] فصل: وَأما إِن كَانَت رائحتهم ردية، أَو نارهم مؤذية، أَو دخانهم مضرًا أَو فيهم الْجِيَف أَو الْحَيَوَانَات المؤذية كالعقارب والحياة وَالسِّبَاع وأمثالهم: دلّ على أَمَاكِن الظلمَة وأرباب الْفساد ومواضع عُلَمَاء الْبِدْعَة، وعَلى المتاجر بالأموال الردية، والمعايش الدنية، أَو يَبْنِي مَكَان بِدعَة كالكنائس والسجون والخانات وَنَحْوهم. قَالَ المُصَنّف: دلّت على أَمَاكِن الظلمَة لِأَن الْغَالِب أَنَّهَا بِضَمَان، وَهُوَ خلاف الشَّرَائِع فِي أَكثر مَا يتعانى فِيهَا، وَلكَون الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة فِيهَا
[ ٣٢٣ ]
مؤذية بِغَيْر حق. ودلت على أَرْبَاب الفسادلكونهم يتلفوا الْأَجْسَام، وعَلى عُلَمَاء الْبِدْعَة من الَّذين بواطنهم ردية، وعَلى المتاجر والمعايش الردية لِأَن ذَلِك إِذا بيع كَانَ أَكْثَره حَرَامًا والنفوس تنفر مِنْهُ، ودلوا على أَمَاكِن الْبدع وَنَحْوهَا لن هَذِه الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة فِي الْمَوَاضِع الْمشَار إِلَيْهَا مبتدعة، خلاف الْعَادة. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت أَن سبعا جرحني فِي حمام، قلت لَهُ: أَيْن جرحك، قَالَ: فِي رَأْسِي، قلت لَهُ: سرح إِنْسَان رَأسك بِمشْط حاد الْأَسْنَان فأسال دمك، قَالَ: صَحِيح، لِأَن أَسْنَان السَّبع تشبه أَسْنَان الْمشْط. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني فِي فرن فَدخل فِي رجْلي عود فِي رَأسه نَار فأحرقها، قلت لَهُ: لسعتك حَيَّة فِي رجلك، قَالَ: نعم. وَقَالَ آخر رَأَيْت أَن حَيَّة لدغتني فِي فرن، قلت لَهَا: تحترق بِعُود فِيهِ نَار فَجرى ذَلِك.
[١٤٤] فصل: من دخل حَماما واغتسل أَو تنظف بِمَا لَا يضرّهُ كالبارد فِي الصَّيف أَو الْحَار فِي الشتَاء فَهُوَ دَال على الْغنى وَالْخَيْر وَقَضَاء الدُّيُون وَالتَّوْبَة، وعَلى الْخَلَاص من الْمَرَض والشدائد، وعَلى قَضَاء الْحَوَائِج.
[ ٣٢٤ ]
وَإِن كَانَ أعزب تزوج. وَأما من اغْتسل بِالْمَاءِ الْحَار فِي الصَّيف أَو بالبارد / فِي الشتَاء انعكس مَا ذكرنَا. قَالَ المُصَنّف: دلّ على الْغنى وَالْخَيْر لكَونه قضيت حَاجته، وعَلى قَضَاء الدُّيُون لإِزَالَة الْوَسخ الْمَانِع الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ يضيق صَدره أشبه الدّين، وعَلى التَّوْبَة لكَونه تنظف من الأوساخ وتطهر فَصَارَ كالتائب الَّذِي لَا ذَنْب عَلَيْهِ بوسخ آخرته. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت أنني ملوث ببول وطوط، فاغتسلت مِنْهُ بِمَاء حَار، أسخنته بحطب زيتون، قلت لَهُ: أَنْت محب لامْرَأَة ضَعِيفَة الْعَينَيْنِ، وَأَنت ملوث الْعرض بذلك، قَالَ: نعم، قلت: السَّاعَة ترزق تَوْبَة على يَد رجل من أهل الشَّام، فَجرى ذَلِك وَتَابَ. ودلوا على الْخَلَاص من الْأَمْرَاض والشدائد لِأَن الْإِنْسَان لَا يزَال فِي
[ ٣٢٥ ]
تَعب حَتَّى يغْتَسل لِأَنَّهُ مُتَعَلق بالجسد، كَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يزَال فِي شدَّة حَتَّى يَزُول مَا بجسمه، وَدلّ على تزوج العزب لكَونه زَالَ مَا هُوَ فِيهِ من القشب، وَلِأَن الِاغْتِسَال - الَّذين يَتَزَوَّجُونَ - غَالِبا المَاء الْحَار فِي الصَّيف والبارد فِي الشتَاء مضيق للصدر مؤذي لبعضا الأجساد لَا يتعاناها أحد إِلَّا لضَرُورَة أَو عَادَة؛ وَالْعَادَة لَا حكم لَهَا وَلَا كَلَام فِيهَا والضروري يُعْطي عكس مَا ذكرنَا من الخراب.
[١٤٥] فصل: وَأما من أَتَى إِلَى الطاحون بحب فطحنه، أَو إِلَى فرن بعجين فخبزه، أَو إِلَى مدبغة بجلد فدبغه، أَو إِلَى مسلخ بحيوان فذبحه، أَو بِلَحْم إِلَى طباخ فطبخه أَو شواة، أَو بِدَابَّة إِلَى بيطار فأصلحها، أَو بِثَوْب إِلَى خياط فخاطه، وَمَا أشبه ذَلِك، فَإِن كَانَ يطْلب حَاجَة من كَبِير حصلت لَهُ، أَو يحْتَاج إِلَى عَالم فِي أَمر، أَو إِلَى عَابِد، أَو يتَزَوَّج، أَو يَسْتَغْنِي بعد فقره، أَو
[ ٣٢٦ ]
يَأْمَن من خَوفه، أَو يتعافى من مَرضه، أَو يخلص من شدته، أَو يربح بُد خسرته، كل إِنْسَان على قدره وَمَا يَلِيق بِهِ. وَأما إِذا لم يكن تمّ لَهُ فِي الْمَنَام شَيْء مِمَّا ذكرنَا لم يبلغ مُرَاده. قَالَ المُصَنّف: اعْتبر لقاصد هَذِه الْأَمَاكِن فِي طلب حَاجَة وَتكلم عَلَيْهِ بِمَا يَلِيق بِهِ. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت أَن طاحونة تطحن شَعِيرًا كَانَ معي والدقيق ينزل دَقِيق حِنْطَة، قلت لَهُ: فالشعير من عادتك تَأْكُله، قَالَ: لَا، قلت لَهُ: تحْتَاج بعد غناك حَاجَة تَأْكُل فِيهَا خبز الشّعير، ثمَّ بعد ذَلِك تَسْتَغْنِي من عِنْد إِنْسَان كثير الرقص والطرب، فَكَانَ كَذَلِك، لِأَن دوران الْحجر كالراقص الَّذِي لَا يزل فِي مَكَانَهُ بعد دورانه. وَرَأى آخر أَنه أَتَى إِلَى فرن بدقيق فخبزه من غير عجن، قلت لَهُ: عنْدك مَرِيض وَأَنت تطلب طَبِيبا ليداويه، قَالَ: نعم، قلت: يبرأ قبل أَن تمارس أُمُوره. وَمثله رأى آخر، غير أَنه قَالَ تلف الْخبز، قلت: عنْدك حَامِل، قَالَ: نعم، قلت: تمرض بالحمى ويتلف الْوَلَد وَرُبمَا يسْقط، فَجرى ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني جِئْت بجلد ميتَة أصلحه الدّباغ بدبغه، قلت: لَك مَال فِيهِ حرَام أَو لم تخرج زَكَاته عزمت على أَنَّك تزكي وتعمل حِيلَة ليصير لَك حَلَالا وَلَا تبرئ ذِمَّتك بِالْكُلِّيَّةِ، لِأَن النَّاس اخْتلفُوا فِي طَهَارَة دباغ جلد الْميتَة. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أخذت جلد جاموس من مدبغة، قلت: أخذت ثوبا من تَرِكَة جليل الْقدر، فَإِن كَانَ بِلَا دباغ فقد أَخَذته بِغَيْر حَقه. وَقَالَ آخر: أتيت بجلد يَابِس فَوَضَعته فِي بركَة
[ ٣٢٧ ]
مدبغة، فجَاء كلب فَأَكله، قلت: عزمت على تطرية ثوب أَو غسله، قَالَ: نعم، قلت: يسرق مِنْك، فَجرى ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني خلعت جلدي وَسيرَته إِلَى المدبغة، قلت لَهُ: تَمُوت وَيروح مَالك إِلَى الحشرية، فَجرى ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني جِئْت دباغًا ليدبغ جلدي، قلت: تمرض وتطلب طَبِيبا، فَجرى ذَلِك.
[١٤٦] فصل: وَأما من عبر إِلَى هَذِه الْأَمَاكِن، أَو تلوث بِدَم أَو طين، أَو رَائِحَة ردية، أَو اخترق بِنَار، وَنَحْو ذَلِك: حصل لَهُ نكد من كَبِير، أَو من ولد، أَو أقَارِب، أَو من زوج، أَو تنكد من مُسَافر، أَو من زَانِيَة، أَو تعطلت مكاسبه، وَنَحْو ذَلِك. قَالَ المُصَنّف: أعْطه من الْأَحْكَام على قدر مَا تنكد من هَذِه الْأَمَاكِن. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: أدخلت يَدي تَحت رحاة تَدور فأتلفتها، قلت: تدخل روحك بَين اثْنَيْنِ بِمَا لَا يَلِيق تتنكد مِنْهُم. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَن ذكري تلوث بِدَم من مَكَان جزار وَأَنا ألعق ذَلِك الدَّم، قلت: أَنْت تفْسد من دَار جرائحي أَو فاصد ويعطوك أُجْرَة، وَهِي حرَام، قَالَ: صَحِيح، وَأَنا تائب. وَقَالَ آخر: رَأَيْت خياطًا / عمل على رَأْسِي كوفية مليحة وخيطها فِي حلدة رَأْسِي وتألمت من ذَلِك، قلت: عمل عَلَيْك إِنْسَان كَاتب فِي الِاجْتِمَاع بِامْرَأَة، إِمَّا بتزويج أَو غَيره، وتألم خاطرك، وتطلب الْخَلَاص مَا تقدر عَلَيْهِ، قَالَ: نعم.
[١٤٧] فصل: وَأما من بنى بَيْتا، أَو دَارا، بِنَاء مليحًا: حصل لَهُ من الْخَيْر على مَا ذكرنَا، على مَا يَلِيق بِهِ. وَرُبمَا كَانَ ذَلِك للْفَقِير ثوب، أَو كسْوَة. وَأما
[ ٣٢٨ ]
من رأى بَيته، أَو مَجْلِسه، أَو إيوانه، هدم: مَاتَ مَرِيض ذَلِك الْموضع، أَو كبيره، أَو فَارق وَلَده، أَو زَوجته، أَو قرَابَته، أَو دَابَّته، أَو تعطلت معيشته، وَنَحْو ذَلِك. وَأما هدم المرحاض أَو سَده: دَلِيل على نكد أهل ذَلِك الْموضع، وَيدل على فِرَاق الزَّوْجَة، أَو السّريَّة. قَالَ المُصَنّف: انْظُر هَل بنى بِنَفسِهِ أَو بِغَيْرِهِ، وأعطه مَا يَلِيق بِهِ. كَمَا قَالَت لي امْرَأَة: رَأَيْت إنْسَانا بنى على يَدي سورًا وَهُوَ سور مليح، قلت: يتزوجكي وَيَشْتَرِي لَك سورًا. وَمثله رَأَتْ أُخْرَى أَن إنْسَانا عمل على أذنها قنطرة، قلت لَهَا: يعْمل عَلَيْك حِيلَة وأوعدك بِأَن يَشْتَرِي لَك حلقا فِي الْأذن، قَالَ: نعم، قلت: لَا تسمعي مِنْهُ. وَقَالَ إِنْسَان: رَأَيْت أَن لي مَكَانا مليحًا ونقلت خزانَة مِنْهُ إِلَى الْمَقَابِر، قلت لَهُ: يروح لَك مَال يَأْخُذهُ حفارون الْقُبُور أَو مقربون الْجَنَائِز وَنَحْو ذَلِك، فَمَا مضى قَلِيل إِلَّا وَرَاح لَهُ ذَلِك من حفارين الْقُبُور. وَقَالَ جليل الْقدر: أَبْصرت أَن السُّلْطَان بنى لي مَكَانا عَالِيا مشرفًا
[ ٣٢٩ ]
لأجل الفرجة وَمَا فِيهِ طَاقَة، قلت: يوليك منصبًا لَا طَاقَة لَك بِهِ، فَجرى ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَن طَاقَة بَيْتِي سدت، قلت لَهُ: تنطرش أُذُنك، فَجرى ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت باذهنجي انسد، قلت: يَقع بك زكام وينسد أَنْفك، فَجرى ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت الباذهنج زَالَ، قلت: لَك مركب، قَالَ: نعم، قلت: يعْدم الْقلع الَّذِي لَهُ، فَعدم. وَمثله رأى آخر، قلت: يَقع بأذنيك عيب، فَقطعت. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَن بَيت الرَّاحَة الَّذِي لي إنسد ببطيخة، قلت: يطلع بدبرك طُلُوع، ويعسر عَلَيْك الْبَوْل، وتقطعه بالحديد، فَجرى ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت مطبخي تعْمل فِيهِ حلاوة، فَجَاءَت وزغة رمت فِي الْحَلْوَاء نقطة خل حامض فافسدته، قلت: عنْدك طباخة حَائِض، قد سقط من حَيْضهَا نقطة دم فِي بعض مَا تعمله من الْمَأْكُول فاحترز مِنْهُ، فراح من عِنْدِي وَسَأَلَ عَن ذَلِك فَوَجَدَهُ صَحِيحا.
[١٤٨] فصل: وَأما من انهد بَابه، أَو انْكَسَرت سكرته، أَو انقلع قفله، أَو مسامير بَابه: فَإِن كَانَ مُتَوَلِّيًا عزل، أَو يَمُوت لَهُ غلْمَان كالبوابين والحراس وَالْعَبِيد والخدم، أَو فَارق زَوجته أَو أَهله أَو معارفه الَّذين يسترونه بمعرفتهم وحمايتهم لَهُ، وَرُبمَا دخل ذَلِك الْبَلَد أَو الْمَكَان لص، أَو نهب، أَو يعْدم مِنْهَا شَيْء، لزوَال مَا كَانَ يحفظه. قَالَ المُصَنّف: انْظُر مَا جرى من هدم أَو كسر أَو قلع، وَتكلم عَلَيْهِ بِمَا يَلِيق بِهِ. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت أَن بَابي تلف، قلت: يَقع فِي فمك عيب، فتكسرت أَسْنَانه من وقْعَة. وَقَالَ آخر: رَأَيْت شفتي زَالَت، قلت لَهُ: تسرق
[ ٣٣٠ ]
فردة من بابك أَو طَاقَة من خزانَة وَنَحْو ذَلِك، فَسرق ذَلِك. وَقَالَت امْرَأَة: رَأَيْت أَن بَاب بَيْتِي إنهدم على وَلَدي قَتله، قلت لَهَا: أَنْت حَامِل، وَحين تَضَعِي الْوَلَد يمتسك مَعَك، مَا يخرج إِلَّا مَيتا، فَعَن قَلِيل جرى ذَلِك. وَقَالَت أُخْرَى: أَبْصرت فِي بَاب بَيْتِي لعبة مليحة، وَأَنا أفرح بهَا، وَقد منعت زَوجي العبور، قلت لَهَا: قد خبأتي إنْسَانا، وَرُبمَا تكون امْرَأَة، وَقد قعد مَكَان زَوجك وَقد منعتي زَوجك نَفسه، قَالَت: صَحِيح. وَقَالَ آخر: رَأَيْت قد طلع فِي بَابي عين كلما عبرت تلوثت، قلت لَهُ: امْرَأَتك كَثِيرَة خُرُوج الدَّم من فرجهَا من غير حيض وَأَنت تتلوث بذلك، قَالَ: صدقت. وَقَالَ آخر: رَأَيْت على بَابي شبكة، قلت: يحصل ترسيم عليم فِي مَنْزِلك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أنظر من طَاقَة الْبَيْت إِذْ رَأَيْت سَحَابَة بَيْضَاء غطت الطَّاقَة، قلت لَهُ: ترمد إِحْدَى عَيْنَيْك وَيَقَع عَلَيْهَا بَيَاض ويمنعك النّظر بهَا، فَعَن قَلِيل جرى لَهُ ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَبْوَاب الطاقات الَّتِي لنا سَقَطت، قلت: تمرض وَتسقط جفون عَيْنَيْك، فَجرى ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت / أَن عين مَاء نبعت عِنْد عَيْني وَهِي تقلب فِي دَاخل يَدي فَامْتَلَأَ فُؤَادِي من ذَلِك وأثقلني، قلت: تنقب دَارك من عِنْد بَابهَا أَو من عِنْد طَاقَة، ويعبر من ذَلِك اللص إِلَى مَنْزِلك أَو ذويك، فَجرى لَهُ ذَلِك.
[١٤٩] فصل: وَأما من رأى مَسْجِدا تهدم أَو محرابه، أَو منبره، أَو وَقعت قُبَّته: مَاتَ إِمَامه، أَو خَطِيبه، أَو كَبِير ذَلِك الْمَكَان. وَكَذَلِكَ إِذا انْهَدَمت مئذنته. وَرُبمَا مَاتَ مؤذنه. وَإِن انْكَسَرت قناديله، أَو تلفت
[ ٣٣١ ]
حصره: ذهب عُلَمَاء ذَلِك الْمَكَان والمتصدرون بِهِ لنفع النَّاس فِي ذَلِك الْمَسْجِد، أَو مَاتَ غلمانه أَو قومته، أَو بطلت أوقافه. وَكَذَلِكَ إِذا انْهَدَمت قَوَاعِده أَو أعمدته. وَإِن كَانَ الْمَسْجِد الْكَبِير الَّذِي للصَّلَاة: رُبمَا وَقع فِي المسلين نكد. وَأما مَا رُؤِيَ فِيهِ من بناية، أَو سَعَة، أَو فِي بعضه: عَاد ذَلِك على من ذكرنَا. وَرُبمَا قدمت على الْمُسلمين بِشَارَة. قَالَ المُصَنّف: مَا حدث فِي أَمَاكِن الْعِبَادَة من خير أَو شَرّ رَجَعَ إِلَى من فِيهِ، وَإِلَى من علمه، وَإِلَى جنس ذَلِك الدّين، كَمَا ذكرنَا، كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت مَسْجِدا إنهدم، قلت: كنت تلازمه، قَالَ: نعم، قلت: تركت الصَّلَاة، فَارْجِع إِلَيْهَا. وَقَالَ آخر: رَأَيْت محرابه انْهَدم، قلت: كنت تتعلم الْقُرْآن الْعَزِيز، قَالَ: نعم، قلت: قد تركت ذَلِك، قَالَ: صَحِيح. وَقَالَ لي إِمَام مَسْجِد: رَأَيْت قبَّة مَسْجِدي وَقد اختطفها غراب، قلت لَهُ: تخطف
[ ٣٣٢ ]
طاقيتك أَو عمامتك أسود، فَمَا مضى قَلِيل إِلَّا وَجرى ذَلِك. وَرَأى إِنْسَان أَن الْقنْدِيل الَّذِي بالمحراب زَالَ وَجعل مَوْضِعه قنديل نُحَاس مَا يصلح للوقيد، قلت: يَمُوت إِمَامه أَو يعْزل، وَيَأْخُذ مَكَانَهُ رجل أعمى لَا ضوء بِعَيْنِه، فَجرى ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني بِعْت بعض قومة جَامع، قلت: سرقت مِنْهُ حَصِيرا أَو قِنْدِيلًا، وبعت ذَلِك، ضحك، وَقَالَ: صَحِيح. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَن مئذنة الْجَامِع إنهدمت وَأَنا أَقُول بَطل الْأَذَان؛ قَالَ لي آخر مَا بَطل، قلت لَهُ: يَقع بسمعك طرش فيمنعك سَماع الْأَذَان، فَجرى ذَلِك. وَقَالَ مُؤذن: رَأَيْت أنني بنيت مئذنة دَاخل مئذنة، قلت لَهُ: حملت زَوجتك ولدا ذكرا وَهُوَ يطلع مُؤذنًا مثلك، فَمَا مَاتَ حَتَّى جَاءَهُ ولد صَار مُؤذنًا مَكَانَهُ، وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني وَقعت دَاخل قنديل وأكلت فتيلته، قلت لَهُ: نزلت إِلَى جَامع وسرقت ثِيَاب أَمَامه، قَالَ: نعم. وَمثله قَالَ آخر غير أَنه شرب الزَّيْت الَّذِي فِيهِ، قلت لَهُ: سرقت مخزن زَيْت السَّاعَة تَمُوت بوجع الرَّأْس، فَعَن قَلِيل أوجعهُ رَأسه، وَمَات وَبِه ذَلِك.
[١٥٠] فصل: وَحكم الصوامع وَالْكَنَائِس والمعابد، لأَهْلهَا وَمن يقرب بهَا: حكم الْمَسْجِد. فَمَا نزل بهَا من خير، أَو شَرّ، نسبناه إِلَيْهِم. قَالَ المُصَنّف: وَأعْطِ كل مِلَّة على مَا يَلِيق بِهِ. كَمَا قَالَ لي نَصْرَانِيّ: رَأَيْت أنني أكلت الْمَسِيح، قلت لَهُ: سرقت صليبًا وبعته وأكلت ثمنه وَكَانَ ذَهَبا، قَالَ: نعم، وَقَالَ الْيَهُودِيّ: رَأَيْت أَن مُوسَى بن عمرَان وَرَاء ظَهْري، قلت لَهُ: كنت تحفظ بعض التَّوْرَاة تركتهَا والساعة يتَغَيَّر دينك، فَصَارَ
[ ٣٣٣ ]
مُسلما. وَقَالَ حبيس نَصْرَانِيّ: رَأَيْت أَن قلالتي تهدمت، قلت: تتْرك الْعِبَادَة وَترجع إِلَى الدُّنْيَا. وَقَالَ لي سامري: رَأَيْت أنني أكلت من التَّوْرَاة عشر وَرَقَات، قلت: حَلَفت بالعشر كَلِمَات وَأَنت كَاذِب لأجل الضَّرُورَة خفت على نَفسك مِنْهَا، قلت: صَحِيح. وَمثل ذَلِك فاعمل موفقًا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[١٥١] فصل: وَأما هدم السجون، ودور الْفسق، ومواضع الْكفْر: فدليل على ظُهُور الْعدْل، وَالْخَيْر، والأمن، فِي ذَلِك الْمَكَان. كَمَا أَن تجديدهم، وبناءهم: يدل على الضِّدّ من ذَلِك. قَالَ المُصَنّف: وَرُبمَا دلّ هدم السجون على ظُهُور المفسدين لزوَال مَا كَانَ يردعهم. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت أَن فِي بَيْتِي سجنًا وَقد انْهَدم وَخرج مِنْهُ دُخان، قلت: فِي بَيْتك حَيَوَان مؤذي وتخشى خُرُوجه عَلَيْكُم، وَرُبمَا يكون حَيَّة سَوْدَاء، فَعَن قَلِيل خرج عَلَيْهِ من مَكَانَهُ حَيَّة سَوْدَاء عَظِيمَة كَانَت سَاكِنة فِيهِ. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَن دَاري / صَارَت كَنِيسَة، قلت لَهُ: يَشْتَرِيهَا مِنْك نَصْرَانِيّ إِن كَانَ بهَا تماثيل وصور وَإِلَّا اشْتَرَاهَا يَهُودِيّ، فَجرى ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت مجوسيًا فِي بَيْتِي مقطعًا قطعا، قلت: ينهدم عَلَيْك بَيت أَو مَكَان توقد فِيهِ النَّار، فافهمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[١٥٢] فصل: وَأم الطاحون فِي الْبَلَد تطحن بني آدم، أَو الْحِجَارَة، أَو النَّار، أَو الْجِيَف. أَو الفرن يحرق النَّاس، أَو يؤذيهم بدخانه. أَو المسلخ
[ ٣٣٤ ]
يذبح فِيهِ النَّاس، أَو إساخة تؤذي الْخلق. أَو المرحاض يتدفق فِي الطرقات. أَو الْحداد الْمَجْهُول يعبر النَّاس فِي النَّار، أَو يؤذيهم بشرره. أَو المَاء يهدم الدّور، أَو يغرق الزرعات، أَو النَّاس أَو أمتعتهم. أَو كَانَ فِي الْبَلَد مَكَان تخرج مِنْهُ الْحَيَّات، أَو السبَاع، أَو العقارب، أَو أشباه ذَلِك: فَذَلِك كُله دَلِيل على الحروب، والأعداء والفتن، والأمراض، كالجدري، والبراسام، والطاعون، والفنى، وَنَحْو ذَلِك. وَالله أعلم. قَالَ المُصَنّف: اعْتبر الضَّرَر من أَي جِهَة دلّت على مَا يَلِيق بِهِ. فَإِن كَانَ من طاحون أَو فرن فَمن أجل الْمَأْكُول يكون الوباء وَالْمَرَض وغلو الأسعار وَالْمَوْت وَنَحْو ذَلِك، وَإِن جعلته من عَدو فَرُبمَا منعُوا مَجِيء الْقُوت من مَكَانَهُ أَو يتلفوا الغلات والنبات، وَإِن جعلته من المسلخ فَمن أجل حروب وَدِمَاء تقع ثمَّ وَرُبمَا كَانَ النكد لأجل حَيَوَان وَرُبمَا كَانَ الْمَرَض والوباء وَالْمَرَض فِي اللحوم، وَإِن جعلته من المرحاض فَرُبمَا كَانَ الوباء
[ ٣٣٥ ]
وَالْمَرَض فِي هبوب ريَاح ردية وَرُبمَا كَانَ من أكل شَيْء مفسود، وَإِن جعلته من الْحداد فَرُبمَا كَانَ الوباء وَالْمَرَض بحمايات حادة خُصُوصا إِن كَانَ ذَلِك فِي الصَّيف، وَإِن جعلته من الْبحار وَنَحْوهَا فَيكون الوخام وَالْمَرَض من الْمِيَاه أَو مَا يخرج مِنْهَا كالسمك وَمَا يُؤْكَل من الْمِيَاه. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت أَن رغيفًا أتلف لي طاحونة وَكسرهَا، قلت لَهُ: يتْلف ضرسك بحصاة تكون فِي الْخبز، فَعَن قَلِيل جرى ذَلِك، لِأَن الضرس طاحون. وَقَالَ آخر: رَأَيْت جزارًا ضَرَبَنِي فِي فمي بِيَدِهِ؛ أدماه، قلت: يتألم فمك بسكين أَو سيف، فَعَن قَلِيل شال لحْمَة على رَأس سكين وأدخلها فِي فَمه فجرحته فِي لِسَانه جرحا دريًا. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَن فِي فمي فرنًا توقد النَّار فِيهِ، قلت لَهُ: تَأْكُل أَو تشرب شَيْئا حارًا ويؤلمك ألمًا شَدِيدا، فَجرى ذَلِك. وَمثله قَالَ صَغِير: رَأَيْت أَن فِي فمي فرنًا وبلعته، قلت لَهُ: أَنْت فِي صغرك تلعق المداد وَفِي كبرك ترزق من عمل الْخبز، فَكبر وَصَارَ خبازًا. فَافْهَم ذَلِك.