تعرضت البراجماتية للنقد من جانب الفلاسفة المعاصرين مثل كورنفورث وبرتراند راسل وسانتيانا الذين رأوا أن مفهومها للفلسفة لا يخرج عن كونه موقفا أمريكيا يعكس تأثر أصحابه بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للبيئة التي نشئوا فيها١. وذلك من حيث التعبير عن عصر الإقبال على الصناعة وإنتاج المشروعات الضخمة، وإن كان البراجماتيون يضيقون بهذا التفسير.
يرى المعاصرون من أنصار الفلسفة التقليدية أن البراجماتية لم يحالفها التوفيق في العلاقة المعكوسة التي أنشأتها بين الفكر والعمل. إن وظيفة العقل من وجهة نظرهم هي التوصل إلى الحقيقة في ذاتها بصرف النظر عن نتائجها، كما يتفقون مع أغلبية الفلاسفة في أن الأفكار الصادقة تؤدي إلى نتائج مرضية ونافعة.
بررت البراجماتية هذه العلاقة المعكوسة بأنها ترفض الحقائق المطلقة، وتنظر إلى المعرفة كأداة أو خطة أو مشروع للتغلب على المصاعب والمشكلات. فإذا نجحت المعرفة في ذلك كانت حقا أو صوابا، وإن أخفقت كانت خطأ دون إقامة أي وزن لصدق الحقيقة في ذاتها. بمعنى آخر، فإن التحقق من صواب الفكرة أو خطئها مرهون بالمستقبل، أي: بالتجربة التي تثبت عمليا مدى نجاحها أو فشلها.
كان هذا هو ما ذهب إليه جون ديوي وغيره من البراجماتيين الذين علقوا صدق الأفكار على المستقبل حتى يتم اختبارها بالتجربة. اختلف معهم في ذلك أنصار الفلسفة التقليدية والوضعيون والماركسيون وغيرهم، إذ رأى هؤلاء أن الأفكار تكون صادقة بغض النظر عما يأتي به المستقبل
_________________
(١) ١ B. Russel، History of Western Philosophy، op. cit.، pp. ٨٥٤، ٨٥٥.
[ ١٣٥ ]
فبرتراند راسل مثلا -وهو من أعلام الفلسفة التحليلية المعاصرة- يعلق صواب الفكرة على أسبابها الكائنة في الماضي حتى "تستقل الحقيقة عن إرادتنا في الحاضر والمستقبل معا، وبذلك لا تتغير الحقيقة كلما أمكننا تغيير المستقبل".
إن جوهر الخلاف بين الرأيين هو أن نقاد البراجماتية يرون أن "الأفكار تؤدي إلى نتائج مرضية؛ لأنها صادقة" بينما يظن البراجماتيون أن "الأفكار صادقة؛ لأنها تؤدي إلى نتائج مرضية". وتبدو خطورة البراجماتية من قول ويليام جيمس: إن الفكرة الواحدة قد تكون صادقة في وقت ما "أي: حين تؤدي إلى منفعة" ثم باطلة في وقت آخر "حين تفشل في تحقيق منفعة"، أو أكثر من ذلك: إن الفكرة الواحدة تكون صوابا عند إنسان، وخطأ عند إنسان آخر.
إن مكمن الخطورة في ذلك هو أن التسليم بذلك المنطق البراجماتي المقلوب يفرض علينا قبول الأخطاء "أو بصراحة أكثر السياسات الشريرة" كحقائق صادقة في وقت ما، إذا أثبتت التجربة أنها في ذلك الوقت قد حققت منفعة، أو فائدة عملية "لدولة عظمى مثلا".
انتقدت الماركسية أيضا١ ادعاء الفلسفة البراجماتية بأن هدفها هو التغلب بصفة نهائية على الخلافات الفلسفية. فالمنهج البراجماتي من وجهة نظر ويليام جيمس هو منهج لحل المنازعات الميتافيزيقية بالدرجة الأولى، والتي لولاه لظلت تلك المنازعات بلا حل. بينما ترى الماركسية أن جوهر ذلك المنهج يتضاءل حتى يتركز حول موضوع الحق الذي على ضوئه تصبح أية فكرة صادقة إذا
_________________
(١) ١ Th. Oizerman، Problems of the History ofPhilosophy، op. cit.، pp. ٤٥١، ٤٥٢; cf.، W.James، pragmatism، op. cit.، pp. ٤٥،٧٥. ٥٨; cf.، Also، B. Russel، History of Western Philosophy، op. cit.، p. ٨٤٤.
[ ١٣٦ ]
ساعدت الفرد على التنسيق بين تجربته الجديدة وبين ما يحتفظ به من عقائد قديمة، وبذلك تسهل عليه الوصول إلى هدفه المحدد عن طريق الربط بين الأشياء بشكل مرضٍ مأمون مع تبسيط، وتوفير الجهد.
وتعتبر الماركسية أن المفهوم البراجماتي للحق ذو اتجاه محافظ للغاية سواء من الوجهة العلمية، أو السياسية الاجتماعية. ذلك الاتجاه المحافظ في مجال المعرفة هو الذي ظنت البراجماتية أنه الأسلوب الوحيد لإزالة الخلاف الرئيسي في الفلسفة، في الوقت الذي ترى فيه الماركسية أن الهدف منه كان وضع شكل من أشكال المثالية ذات اللون السياسي؛ لتكون بمثابة عرف فلسفي عام.
[ ١٣٧ ]