تعرض التصور الماركسي لمفهوم الفلسفة ومهمتها للنقد لعدة أسباب، منها إنكاره للفلسفة التقليدية الميتافيزيقية، واعتباره التفكير المجرد لا يؤثر على مجرى التاريخ، وأن النظر العقلي لا يمكن تبريره إلا إذا ارتبط بالعمل "أي: بمدى قدرته على تغيير الواقع الاقتصادي، والقضاء على استغلال الإنسان للإنسان".
معنى ذلك أن الميتافيزيقيا بصفتها نتاجا للنظر العقلي المجرد ليس لها من وجهة النظر الماركسية أي تأثير على مجرى الوقائع، استنادا إلى التفرقة بين المادية الجدلية والميتافيزيقا.
ففي المادية الجدلية يتوحد النظر العقلي، والعمل حيث تكون للفكر على الدوام دلالة علمية إضافة إلى أن معرفة العالم تجعل من الممكن التأثير فيه كما سبقت الإشارة. وليس كذلك الميتافيزيقا التي تعني النظر العقلي في طبيعة الحقيقة دون أن يكون لذلك النظر علاقة بحقائق الواقع. فهي تنشد إذًا معرفة الحقيقة لذاتها، ومن ثم تبتعد عن تفسير التاريخ والعمل معا.
يرفض أنصار التيار التقليدي المعاصر تلك التفرقة القاطعة بين النظر العقلي، والعمل انطلاقا من أن التفكير يؤثر في مجرى الأحداث في العالم، وإن لم يقصد إلى ذلك بشكل مباشر. والفكرة التي تتمخض عن النظر العقلي المجرد في شئون العالم تؤثر أعمق التأثير في تفسير وقائعه.
فالرجل البدائي مثلا يفسر أحداث الكون بإرجاعها إلى علل خفية، بينما يردها المستنير إلى عللها الحقيقية ولو لم تكن معرفة العلل الحقيقية من
[ ١٢٨ ]
الأهداف المباشرة للتعليل. إن مزاولة النظر العقلي المجرد تغير نظرة صاحبها إلى الوقائع والأحداث، وتساهم في توجيه حياته، ولو لم يقصد بنظره العقلي هذا التوجيه المستنير.
يرى الناقدون للماركسية كذلك أن التفرقة بين النظر والعمل لم تمنع المجتمع البشري من أن يفيد من الاكتشافات العلمية؛ لأن العلم الذي يكون نظريا اليوم قد يتحول غدا إلى علم تطبيقي. فالعلوم الطبيعية التي يعتقد الناس أنها ذات صلة وثيقة بالحياة العملية كانت أصلا دراسات من أجل تفسير ظواهر الكون باستخدام مناهج تجريبية، دون وجود غاية عملية مباشرة. وبينما تنحصر مهمة الباحث عن وجهة النظر هذه في التوصل إلى القانون، أو النظرية التي تحكم تلك الظواهر، فإن الاستفادة العملية من القانون أو النظرية من شأن المخترعين، ورجال الأعمال١.
_________________
(١) ١ توفيق الطويل، أسس الفلسفة، ٧٩، ٨٠. ٢ William James، Pragmatism "and four essays from The Meaning of TruTh"، Meridian Cleveland New York ١٩٦٣، first printing of combined edition ١٩٤٣، p. ٤٣، cf، A. Brecht، Political Theory، op. cit.، p. ٥٣٧.
[ ١٢٩ ]