حدث رد فعل عنيف في عصر النهضة لتجاوزات الكنيسة الكاثوليكية والقيود الشديدة التي فرضتها السلطات البابوية على العقل والعلم. لهذا اتجه المفكرون إلى إحياء التراث الفلسفي القديم الذي ترعرع في ظل أثينا وروما، وانتعشت حركة ترجمة مؤلفات الفلاسفة، والمفكرين العرب خلال العصر الوسيط.
أثمرت تلك التطورات فازدهرت العلوم والفنون في أوروبا، وتحرر الفكر السياسي من سطوة اللاهوت، فظهرت مؤلفات ماكيافيللي. ولم يبدأ العصر الحديث حوالي القرن السابع عشر إلا وكانت الفلسفة تمر بحالة نشاط مماثل، وربما ثورة تجلت في كثرة المذاهب التي تصارعت فيما بينها وتطلع الفلاسفة إلى وضع فلسفة جديدة قوامها العقل الذي صار سمة للعصر كله، حتى إن القرن السابع عشر يطلق عليه عصر العقل.
وقد ذهب أصحاب التيار العقلي Rationalism إلى إرساء الفلسفة على العقل، ورأى أصحاب التيار التجريبي Empiricism إقامتها على المشاهدة والتجربة.
وإذا كانت الفلسفة القديمة قد ركزت على البحث في الوجود بما هو وجود، فإن الفلسفة الحديثة كانت معنية بالدرجة الأولى بالبحث في المعرفة وطبيعتها
[ ٨٧ ]
للوقوف على حقيقة العلاقة التي تربط بين قوى الإدراك والأشياء المدركة. وقد تمخض عن ذلك جدل عنيف بين المذاهب المثالية ldealism، وبين المذاهب الواقعية Realism.
اهتمت دراسات أخرى بأدوات المعرفة، ومصادرها فنتج عنها جدل بين المذاهب العقلية والحدسية من جانب Rationalism، lntuitionism، وبين المذاهب التجريبية والوضعية من جانب آخر Empiricism، Positivism. شمل الجدل بين التيارات الحديثة أيضا موضوع إمكان قيام المعرفة الصحيحة وتبلور الخلاف حول مذهبين هما: مذهب الشك Scepticism، ومذهب التيقن Dogmatism.
ولعل من الفروق الأساسية بين الفلسفتين القديمة والحديثة هو أن القديمة اهتمت بالوجود ونظرت من خلاله إلى المعرفة. بينما على العكس من ذلك اهتمت الفلسفة الحديثة بالمعرفة، ونظرت من خلالها إلى الوجود. ومن أعلام الفلاسفة في العصر الحديث فرانسيس بيكون، ورينيه ديكارت.
يعتبر بيكون "١٥٦١-١٦٢٦" أول فيلسوف أوروبي حديث يضع أسس المنهج التجريبي. كما تتأكد أهمية هذا الفيلسوف الإنجليزي أيضا من مفهومه للفلسفة التي نظر إليها على أنها التفسير الوصفي للكون عن طريق المشاهدة والتجربة بهدف السيطرة على الطبيعة، والتحكم في مواردها.
أما الفيلسوف الفرنسي ديكارت "١٥٩٦-١٦٥٠" فهو صاحب المنهج العقلي في الفلسفة الأوروبية الحديثة. وقد استمر ديكارت في النظر إلى الفلسفة على أنها العلم بالمبادئ الأولى، معتبرا إياها علم العلوم فشبهها بشجرة جذورها ما بعد الطبيعة وجذعها علم الطبيعة وفروعها الطب والميكانيكا والأخلاق.
وهناك عدة أوجه شبه مبدئية بين بيكون وديكارت. فقد اعتبر كلاهما أن التفلسف أداة لتحقيق سعادة الإنسان، كما اتفقا ومعهما جاليليو على أن
[ ٨٨ ]
المنهج القديم لأرسطو قد انتهى عصره، وأن الموضوع الأجدر بالدراسة هو المنهج الذي يلائم طبيعة العلوم الحديثة.
ويعلق أحد الفلاسفة المحدثين -كلود برنارد- على ذلك بقوله: إن المنهج التجريبي لا يعترف إلا بحجية الظواهر الواقعية، أي: إنه يتحرر من نفوذ وشهرة الفلاسفة القدماء، فعندما يقول ديكارت مثلا: إنه يجب ألا نعتمد على شيء سوى الحقائق البديهية، أو على ما تمت البرهنة عليه بشكل كافٍ فليس المقصود أنه يتعين علينا الرجوع في أحكامنا إلى الثقات من السلف، وإنما معناه ألا نعتمد إلا على الظواهر التي تثبت التجربة صحتها١.
أشرنا بإيجاز إلى المذاهب والتيارات الجديدة، وكذلك لمفهوم الفلسفة في العصر الحديث، وأهم أوجه الخلاف بينها وبين الفلسفة في العصور القديمة. من ناحية أخرى، هناك أوجه للخلاف بين الفلسفتين الحديثة والمعاصرة تتجلى في أن الفلسفة الحديثة تنظر إلى المعرفة باعتبارها شاملة للوجود، بينما تمردت الفلسفة المعاصرة على تبديد النظر العقلي في الوجود العام ومعرفته، وتحولت إلى دراسة الإنسان في وجوده الواقعي، وإن كان هذا قد أثار كثيرا من الخلاف بين مدارس الفكر الفلسفي المعاصر.
_________________
(١) ١ محمود قاسم، المنطق الحديث ومناهج البحث، الطبعة الخامسة، القاهرة ١٩٦٧، ص٣٤، ٣٥، توفيق الطويل، أسس الفلسفة، مرجع سابق، ص٥١، ٥٢.
[ ٨٩ ]