لم يستعمل حكماء الشرق القديم لفظ فلسفة "فيليوسوفيا" وإنما ابتكره اليونان فيما بعد. وهذا الاصطلاح كما هو واضح مكون من كلمتين: فيليو أي: حب، وسوفيا بمعنى: الحكمة، أي: حب الحكمة١.
تباينت الآراء حول من استعمله. فذهب البعض إلى أن تلاميذ سقراط -وخاصة أفلاطون وأرسطو- كانوا أول من استخدم هذا اللفظ، إذ قارن أفلاطون بين الفيلسوف والسوفسطائي، يتلمس الأول المعرفة لذاتها وينشد العلم لغيرما غاية أو منفعة، بينما يتنقل السوفسطائي من مكان إلى مكان؛ ليعلم الشباب مقابل أجر
_________________
(١) ١ Dagobert D. Runes، ed.، Dictionary of Philosophy، ١٥ th revised ed.، Totowa، New J ersey ١٩٦٥، p. ٢٣٥.
[ ٣٤ ]
يتقاضاه. اعتقد آخرون أن فيثاغورث "الذي توفي قبلهم عام ٤٩٧ ق. م" هو أول من استخدم لفظ الفلسفة بمعنى البحث عن طبيعة الأشياء. ويميل الباحثون اليوم إلى اعتبار هيرودوت أول من استعمل الفعل يتفلسف بمعنى: طلب العلم، والتماس المعرفة دون غرض أو منفعة.
تطور معنى الفلسفة في الفكر الإغريقي بتتابع المدارس الفكرية، وتغير الظروف السياسية. فقد نظر طاليس والطبيعيون الأوائل إلى الفلسفة على أنها تفسير الوجود، والوقوف على طبيعته، ووضع منهج عقلي يقوم على التعليل المنطقي والبرهان العقلي. بهذا سموهم حكماء أي: باحثين عن طبائع الأشياء وحقائق الموجودات، وبذلك صار تعريف الفلسفة بأنها البحث في طبيعة الموجودات.
أما أرسطو فقد عرف الفلسفة بأنها البحث عن الوجود بما هو وجود بإطلاق أو هي البحث في طبائع الأشياء وحقائق الموجودات. وسماها الفلسفة الأولى تمييزا لها عن الفلسفة الثانية أي: العلم الطبيعي، وأطلق عليها كذلك الحكمة؛ لأنها تبحث في العلل الأولى إطلاقا، كما سماها بالعلم الإلهي؛ لأن أهم مباحثها هو الله "س" الموجود الأول، والعلة الأولى للوجود.
وقد أطلق أرسطو اصطلاح فلسفة على العلم بأعم معانيه. فالعلم النظري يبحث في الطبيعيات والرياضيات والإلهيات، والعملي يتناول الأخلاق والسياسة بعللها الأولى، أو علم الوجود بما هو كذلك، مجردا من كل تحديد أو تعيين.
كان العمل بالفلسفة آنئذ يعني بذل جهد عقلي للكشف عن حقيقة جديدة، أو نزوعا عقليا يدفع إليه الشعور بالجهل وتبعث عليه اللذة العقلية المجردة دون غاية عملية أو حاجة دينية، أي: إنها باختصار كانت تهدف إلى معرفة العلل البعيدة والمبادئ الأولى. وقد سمي هذا قديما بالعلم وظل ممتزجا بالفلسفة حتى مطلع العصر الحديث.
انتهى العصر الهيليني بموت أرسطو عام ٣٢٢ قبل الميلاد، وبدأ العصر الهيلينستي الذي تميز بالتحول عن التفكير في الوجود إلى البحث في سلوك الإنسان والتطلع
[ ٣٥ ]
إلى السعادة الفردية. وقد عبرت عن تلك الاتجاهات الجديدة عدة مدارس، أشهرها الرواقية والأبيقورية والشكاك.
جاء تعريف تلك المدارس للفلسفة متفقا مع تلك التحولات؛ فالمدرسة الرواقية عرفت الفلسفة بأنها فن الفضيلة ومحاولة اكتسابها في الحياة العملية، بينما فسرت الأبيقورية اصطلاح الفلسفة بأنها تسعى إلى حياة السعادة باستعمال العقل، إلى آخر تلك الآراء التي اتسمت بالربط بين الفكر، والحياة العملية.
ثم غلبت الروح الصوفية على الفكر الفلسفي، وتجلى ذلك في مذهب الأفلاطونية المحدثة New Platonism التي كان من أشهر مفكريها فيلو الإسكندري الذي حاول التوفيق بين اليهودية والهيلينية، ثم أفلوطين "٢٠٥-٢٧٠" الذي نقل المذهب الأفلاطوني واستعان بالتصوف للاتصال بالله؛ فاختلط العلم بالميثولوجيا، واتسمت تلك الفترة في رأي المؤرخين بامتزاج فلسفة الغرب بروحانية الشرق أي: الجمع بين منطق العقل الغربي، وتصوف الشرق الديني.
[ ٣٦ ]