أثارت العلاقات بين الاقتصاد والسياسة -ولا زالت تثير- الكثير من الجدل والخلاف حول بعض القضايا الأساسية في علم السياسة، وخاصة مدى وحدود التغيرات السياسية والقوى التي تؤثر في المؤسسات والقرارات، ومدى معقولية الاختيارات التي يستقر عليها الرأي.
من المعلوم أن المدارس المادية للفكر تتفق على أن العوامل الاقتصادية من موارد أساسية، وأساليب إنتاج وتوزيع تحدد شكل المؤسسات السياسية، والقوة النسبية للطبقات والفئات، والإطار الذي تتحرك داخله هيئات الدولة ومسئولوها.
أما مدارس الفكر غير المادية فترفض كثير منها تلك النظرة، وترى أن الشكل السياسي للدولة أو السلطة السياسية هي التي تحدد كيفية استعمال الموارد، والدور الذي يلعبه السوق في الاقتصاد القومي١.
_________________
(١) ١ J. Roland pennock، David G. Smith، Political Science، An lntroduction، New York، London ١٩٦٤، pp. ٨٨، ٨٩. يلاحظ رغم ذلك أن بعض المفكرين الليبراليين يسلمون جزئيا بأهمية المدخل الاقتصادي، ويستخدمونه في دراستهم الميدانية، معترفين بأنه يقدم تفسيرا أكمل للظواهر إذا قورن بأي مدخل آخر، كما أنه يحقق نتائج مشابهة لتلك التي تتوصل إليها طرق التحليل الأكثر طولا وتعقيدا. انظر كمثل على ذلك: John R Nellis، A Theory of ldeology "The Tanzanian Example"، Nairobi، ١٩٧٢، p. ١٤.
[ ١٦٩ ]
وحيث إننا لسنا بصدد المقارنة بين هذين الاتجاهين المتعارضين اللذين يختلفان حول أي القوتين الاقتصاد أم السياسة لها اليد الطولي والتأثير الفعال، فإن الحقيقة الهامة التي تجدر الإشارة إليها هي أنهما لم يختلفا حول العلاقة الوثيقة التي تربطهما ببعضهما البعض، وكذلك الاعتماد الكبير المتبادل بينهما.
إلا أن تطور المجتمعات والنظم الاقتصادية شاءت الليبرالية أو لم تشأ يتجه إلى حسم هذه القضية في صالح الاقتصاد وأسبقيته في مجال التأثير على السياستين المحلية والدولية. فقد تغيرت الظروف التي كانت سائدة في بداية النظام الرأسمالي، حيث المنافسة الحرة وعدم تدخل الحكومات في النشاط الاقتصادي إلى أوضاع أخرى تفاقمت فيها مشاكل المنافسة الاحتكارية ليس داخل كل بلد رأسمالي فحسب، وإنما بين الدول الرأسمالية الكبرى أيضا حتى انفجرت الأزمة الاقتصادية عام ١٩٣٠ التي دفعت الحكومات إلى التدخل المباشر، واتخاذ إجراءات سياسية لمواجهة الموقف.
بلغت الأزمة الاقتصادية ذروتها مرة أخرى في بداية السبعينات من هذا القرن حيث اختلطت الظواهر الاقتصادية القديمة، وتشابكت لتعطي أبعادا أكثر تعقيدا للأزمة الاقتصادية المتمثلة فيما أطلق عليه ظاهرة التضخم الركودي، وما صحبها من ارتفاع معدلات البطالة وازدياد قبضة الاحتكارات الدولية وظهور المجموعات الاقتصادية العملاقة والشركات متعددة الجنسية بحيث لم يقتصر الأمر على الحاجة إلى قرارات سياسية على مستوى الحكومات فقط، وإنما استدعى أيضا تدخل هيئة الأمم المتحدة للحد من الآثار الضارة لتلك التطورات.
لهذا، فإننا نلاحظ -وخاصة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية- أن الحكومات -وخاصة في النظم الرأسمالية- يزداد تدخلها شيئا فشيئا في النشاط الاقتصادي المتعاظم مما استدعى وضع سياسات جديدة في مجال إنتاج وتوزيع السلع والخدمات وأسعار صرف العملات ونظم الاستيراد والتصدير.
[ ١٧٠ ]
قد يفسر هذا اهتمامات الباحثين الذين يستعينون بمدخل اقتصادي، وميلهم إلى طرح أسئلة عن العلاقات المتشابكة التي تربط بين كل من الحياة الاقتصادية والسياسية. من ذلك مثلا السياسات النقدية والضرائبية للحكومة، أسعار الصرف، حصص الاستيراد والتصدير، التشريعات التي تعالج العلاقات بين رأس المال والعمال، السيطرة على الإنتاج، توزيع عائد العملية الإنتاجية، العلاقات الاقتصادية الدولية، الأسواق المشتركة بين المجموعات الإقليمية وتأثير قراراتها على أسعار المواد الخام والسلع المصنوعة والعمالة وأسعار العملات، ثم تأثير كل ذلك وانعكاسه على السياسات الخارجية لكل دولة، أو منظمة إقليمية.
ولا يمكن إغفال كلمة المصالح في المدخل الاقتصادي لدراسة السياسة، فمدرسة الفكر الماركسي مثلا ترى أن التطورات السياسية ما هي إلا نتيجة للمصالح الطبقية المتعارضة، وتعرف الطبقة بأنها وضع اقتصادي معين، والمصالح بأنها الفوائد الاقتصادية التي يمكن الحصول عليها.
إن موقف مدرسة الفكر الماركسي -كما سيأتي بالتفصيل فيما بعد- معروف أيضا من مستقبل العلاقة بين قوى وعلاقات الإنتاج من جانب، وبين جهاز الدولة وهيكل المجتمع من جانب آخر. فهي ترى أن الأنظمة السياسية بشكلها المعاصر، وكذلك الدولة نفسها ما هي إلا أبنية فوقية في المجتمع لا بد وأن تلاقي مصيرها المحتوم حيث يؤدي التطور الاقتصادي، وتغير العلاقة بين قوى وعلاقات الإنتاج إلى إزالتها تماما، فاتحا الطريق أمام الثورة الاجتماعية١.
_________________
(١) ١ Marcel Prelot، La Science Politique، Paris ١٩٦٣ p. ٣٢، J. Roland Pennock، David C. Smith، Political science، op. cit.، p. ٨٩.
[ ١٧١ ]