هناك تعريفات كثيرة متضاربة لمعنى التأثير. ومنعا للّبس نشير إلى تعريف مبسط يرى أن التأثير، أو النفوذ هو نوع من القوة قد تكون ظاهرة أو خفية، وتؤثر تأثيرا عميقا في ممارسة السلطة وفي مؤسساتها.
ولا يجب أن يتبادر إلى الذهن أنه لا بد من إصدار أوامر أو نواهٍ حتى نسلم بوجود تأثير أو نفوذ؛ إذ العكس هو الصحيح. فنادرا ما يتخذ التأثير ذلك الشكل
[ ١٩٤ ]
الفج، وإنما يجد تعبيرا عنه في محاولات الحث والإقناع، وأحيانا الغمز والتلميح بهدف التأثير على السامع أو القارئ بشكل غير مباشر. لهذا نلاحظ، أنه وإن كانت القوة تشكل النواة الصلبة للمواقف التي تتخذها السلطة، إلا أنها تحيط بها حالة كبيرة من التأثير١.
لزيادة الإيضاح، نتناول عددا آخر من التعريفات حتى يمكن الإحاطة بطبيعة الصعوبات التي تكتنف اختيار موضوعات الدراسة السياسية. من تلك التعريفات ذلك القول الشائع: "من يحصل على ماذا، متى وكيف؟ " الذي وضعه هارولد لا سويل كعنوان فرعي لكتابه المبكر في "السياسة" والذي عرف فيه الدراسة السياسية بأنها دراسة للنفوذ وللتأثير وذوي السطوة. وفي موقع آخر من الكتاب يصف التحليل السياسي بأنه بحث التغيرات التي تطرأ على شكل وتكوين نمط القيم التي يؤمن بها المجتمع٢. أما أيستون، فقد عرف علم السياسة بأنه دراسة مدى تأثير استعمال وتوزيع السلطة على المكانة المرعية للقيم في المجتمع٣.
وغير خافٍ أن نقطة الضعف الرئيسية في تلك التعريفات -كما يقول فان دايكه- هي غموضها وصعوبة تفسير المصطلحات الرئيسية الواردة بها، أو على أحسن الفروض فإنه يمكن تطبيقها في مجالات متعددة بحيث تتضاءل فائدتها كتعريفات سياسية. مثلا: ما هو التأثير؟ وكيف يمكن تعريف من له سطوة؟ وهل العنوان الفرعي المذكور أعلاه يعود بالضرورة إلى دراسة سياسية؟ وما المقصود بمجموعة المصطلحات التي تتحدث عن القيم ونمط القيم وشكل وتكوين ذلك النمط؟
_________________
(١) ١ G.J. Friedrich، Man and His Government، op. cit.، p. ١٦٣. ٢ Harold D. Lass well، World Politics and Personal Insecurity، New York ١٩٣٥، p. ٣. ٣ David Easton، The Political System، New York i٩٥٣، p. ١٤٦.
[ ١٩٥ ]
إن التأثير مثلا يمكن أن يمارسه المحامي على المتهم الذي يترافع عنه، والطبيب على المريض الذي يعالجه، والمعلن على المشتري المحتمل للسلعة، أي: إن المحامي والطبيب والتاجر المعلن يمكن افتراض أنهم من ذوي التأثير، بل والسطوة أحيانا. رغم ذلك، فإن الدراسة التي تبحث في النفوذ والسطوة من تلك الزاوية لا تكون بالضرورة دراسة سياسية.
بالمثل، فإن السؤال المركب: "من يحصل على ماذا، متى وكيف؟ " لن يساعد كثيرا على تعريف مجال السياسة، أو نوع الدراسات التي يجب القيام بها في هذا الحقل. بل أكثر من ذلك، يمكن القول: إن هذا السؤال قد يساعد بنفس القدر من الفعالية في توجيه دراسات تجري عن السرقة، أو الجنس.
إذا انتقلنا إلى اصطلاح القيم واجهنا نفس الصعوبة، بمعنى أنه لا يساعد كثيرا في دراسة ما هو سياسي. فالقيم التي عددها لا سويل في كتابه نجد بينها الحب والسعادة والمهارة والتنوير. وأية دراسة لشكل وتكوين نمط تلك القيم لن تكون بالضرورة دراسة سياسية. لهذا فإن شيئا محددا لا بد من إضافته للمصطلح الأساسي "القيم" حتى يمكن تعريف، ودراسة ما هو سياسي.
من هنا تمثل الإضافة التي وضعها أيستون تقدما نحو توجيه النظر ليس إلى كل القيم، وإنما إلى تلك القيم المرعية في مجتمع ما وليس لدى جماعة عابرة. معنى ذلك أن تلك القيم إذا لم تكن متأثرة بتوزيع واستعمال السلطة، فإن الدراسة لا يمكن اعتبارها سياسية. ورغم الفائدة التي قد يمكن الحصول عليها من ذلك البحث تظل بعض الشكوك معلقة حول حقيقة المقصود من مصطلحات مثل قيم ومرعية بحيث يصعب وضع تعريفات مرضية لها مما يرجح الأخذ إلى حد ما بالتعريف المبسط الوارد في بداية هذا البند.
[ ١٩٦ ]