هو الربط بين الأحداث والاتجاهات السياسية، وكل ما يتعلق بالظواهر الجغرافية كموقع الجبال والأنهار والبحار، وتوزيع الموارد الطبيعية بكافة أنواعها كتوزيع الأمطار واختلاف درجات الحرارة ومدى توفر طرق ووسائل المواصلات وطبيعة كل منها. ولا يزال لتوزيع الأجناس والجماعات العرقية أعمق الأثر على التنظيم السياسي للعالم تماما كما هو الحال بالنسبة للحقائق الجغرافية التي تدخل ضمن العوامل الحاسمة في تشكيل القرار السياسي١.
وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى كتابات مونتسكييه٢ التي أظهرت اهتمامه بالأثر الكبير للموارد الطبيعية -وخاصة المناخ- على تطور الدولة وإن كان قد أكد على عوامل غير اقتصادية، وبالذات على دور الموارد البشرية أي: الأفكار والتقاليد والمعتقدات السائدة بين أمة من الأمم في منطقة جغرافية معينة.
إلا أن هناك بعض التحفظات التي ترد على المدخل الجغرافي، وتحتاج إلى أخذها بعين الاعتبار عند استخدامه حتى يستعين الدارس بمداخل بديلة، أو مكملة لخدمة أغراض البحث. وأهم تلك التحفظات هي ما يلي:
- ليس المناخ هو العامل الحاسم في تحديد مدى تقدم، أو تخلف دولة من الدول. فهناك مثلا مناطق معتدلة المناخ مثل دول شمال إفريقيا ومنطقة جنوب إيطاليا، مع ذلك نلاحظ أنها مناطق متخلفة تحتاج إلى جهود كبيرة لتصل إلى مستوى أرفع من النمو، ولتحقيق الحد الأدنى من الدخل للفرد بالمعيار الدولي المعاصر، وهو ألف دولا سنويا في المتوسط.
_________________
(١) ١ Dyke، pp. ١٢٨، i٢g;cf. Trygve Mathisen، Methodology in the Study of Internatinal Relations، Olso ١٩٥٩، PP- ٥٥-٥٧. ٢ Montesquieu، DeL'Esprit، des Lois،les Grands Themes، edite par J. P.Mayer et A. Pkerr، Paris Gallimard ١٩٧٠، Livres Quatorzieme، Quinzieme، DIX-Septieme، pp. ١٩١-٢٠٩.
[ ١٧٦ ]
- لم تشكل العقبات المناخية، أو البيئة في الماضي عقبات كئودا في وجه قيام بعض الحضارات الزاهرة كحضارات الإسلام والأنكاوالمايا. ولا ننسى أنه في القرن الثامن كان الإمبراطور شارلمان في أوروبا عنوانا للتأخر، بينما الخليفة العباسي هارون الرشيد واجهة لحضارة كبيرة اتخذت من بغداد عاصمة لها١، رغم اعتدال الظروف المناخية في الأولى وقسوتها في الثانية.
- أتاح التقدم العلمي للإنسان فرصة السيطرة على تطرف المناخ عن طريق تكييف الهواء في المناطق الشديدة الحرارة أو البرودة. كما جعل من الممكن استثمار خيرات الطبيعة في أسوأ الظروف الطبيعية بواسطة المدن الصناعية في القطب، أو المنصات العائمة مثل تلك التي أقيمت في بحر الشمال لاستخراج البترول.
- لا تكفي الموارد بمفردها -سواء طبيعية أو بشرية- كمعيار للحكم على مدى تقدم الدولة. فكثير من الدول في القارات الثلاث التي يتكون منها العالم النامي تتمتع بموارد طبيعية، أو بشرية كبيرة، ومع ذلك تعاني من التخلف الشديد نتيجة للميراث الاستعماري، أو لظروف تاريخية متعددة.
- كذلك لا يكفي توفر الموارد بنوعيها في رأينا لمساعدة الباحث على تحديد نوع الحكم السائد، وهل يلتزم أم لا بقواعد القانون الدولي ومواثيق الأمم
_________________
(١) ١ Roger Gerard Schwartzenberg، Sociologie Politique op. cit.، p. ١٩٩، يرى باحثون آخرون أنه رغم أن الوسط الطبيعي، أو البيئة الطبيعية ليست ظاهرة مستقرة تماما، ورغم ازدياد سيطرة الإنسان على قوى الطبيعة وتسخيرها لصالحه، فإنه من الخطأ البين إهمال مغزى الوسط الطبيعي بالنسبة للعلاقات الدولية، انظر: T. Mathisen، Methodlogy ln The Study of lnternational Relations، op. cit.، pp. ٥٦-٥٨.
[ ١٧٧ ]
المتحدة وحقوق الإنسان، وهل تستغل الدولة ما لديها من موارد ضخمة من أجل زيادة التعاون الدولي دون شروط مرهقة أم تسخرها للتوصل إلى أحدث الاكتشافات لإبادة الأخضر واليابس كما حدث في فيتنام ولقهر الشعوب، وتغيير نظم الحكم الوطنية التي لا ترضى عنها سواء بالانقلابات الدموية، أو بالعدوان العسكري السافر الذي ميز حقبة الستينات.
[ ١٧٨ ]