فرانسيس بيكون:
وضع بيكون أسس المنهج التجريبي الجديد بشكل واضح في كتابه الذي أسماه الأورجانون "أي: الآلة" الجديد Novum Organum تمييزا له عن الأورجانون القديم لأرسطو. وقد نحا بيكون فيه نحوا جديدا تجلى في اتخاذ الظواهر الحسية موضوعا للدراسة، واعتماد الاستقراء منهجا لبحثها. أي: إنه تخلى عن التفكير القياسي الصوري وأحل محله الملاحظة والتجربة.
اهتم بيكون اهتماما كبيرا بالعلوم الطبيعية، واعتمد في شرحه للمنهج العلمي على كثير من الأمثلة والتجارب المستمدة منها. ويشتمل منهجه الاستقرائي الجديد على قسمين: سلبي نقدي وإيجابي بنائي. ينتقد الأول الأخطاء التي تعوق تطور العلوم الطبيعية وتمنع العقل من كشف الحقيقة، بينما يشرح القسم الثاني المنهج السليم١.
أولا: حذر بيكون في القسم السلبي من منهجه مما أسماه بالأوهام أو الأوثان التي تعوق التوصل إلى الحقيقة، وتؤدي بالباحثين إلى الخطأ، لهذا نصح بتحرير العقل من تأثيرها. والأوهام التي حذر منها أربعة، نجملها فيما يلي:
_________________
(١) ١ المرجع السابق، ص١٨٧-١٩٠.
[ ٩٠ ]
١- أوهام الجنس ldols of the race:
وهي الأخطاء التي تسببها طبيعة الجنس البشري بشكل عام من حيث التسرع في إصدار الأحكام والتسليم بالأفكار التي تصادف هوى في نفس الإنسان، أو تحقق له مصلحة ما فيختار الشواهد التي تؤيد تلك الأفكار، ويستبعد تلك التي تتناقض معها. يؤدي ذلك أيضا إلى الاعتقاد بالخرافات، فمثلا: إذا تصادف وقوع كارثة على إثر نعيق البوم، فإن الإنسان الساذج يظن أن ذلك الصوت نذير بالكوارث دون أن يفطن إلى عشرات المرات التي يسمع فيها النعيق دون أن يعقبه سوء.
٢- أوهام الكهف ldols of the cave:
وهي الأخطاء التي تنجم عن التصرفات الخاصة لشخص ما. فلكل فرد كهفه الخاص به، بمعنى أنه أسير عوامل وعادات معينة هي محصلة تربيته وثقافته وتكوينه الخاص. يترتب على ذلك اختلاف الأفراد في نظرتهم للأمور وحكمهم عليها، وهو ما يستتبع بالتالي التزام جانب الحذر، واجتناب الانسياق وراء الأهواء والميول الذاتية.
٣- أوهام السوق ldols of the market place:
وهي الأخطاء الناشئة عن عدم توخي الدقة اللغوية عند التخاطب والتعامل، أو عند التعبير عن الأفكار. ويكون تلافي تلك الأخطاء بتحديد معاني الألفاظ، ومعرفة دلالاتها.
٤- أوهام المسرح ldols of the theatre:
وهي الأخطاء التي يقع فيها الإنسان بسبب تسليمه بآراء السلف من العلماء والفلاسفة دون تمحيص. تلك الآراء أو المذاهب الفلسفية هي بمثابة المسرحيات التي تشير إلى عوالم من خلق مؤلفيها، ولا تمت إلى الواقع بصلة. من ذلك مثلا الاستنكار الذي واجهه العالم الإيطالي جاليليو عندما اكتشف بعض الأخطاء
Results
فرانسيز بيكون
١- أوهام الجنس ldols of the race:
وهي الأخطاء التي تسببها طبيعة الجنس البشري بشكل عام من حيث التسرع في إصدار الأحكام والتسليم بالأفكار التي تصادف هوى في نفس الإنسان، أو تحقق له مصلحة ما فيختار الشواهد التي تؤيد تلك الأفكار، ويستبعد تلك التي تتناقض معها. يؤدي ذلك أيضا إلى الاعتقاد بالخرافات، فمثلا: إذا تصادف وقوع كارثة على إثر نعيق البوم، فإن الإنسان الساذج يظن أن ذلك الصوت نذير بالكوارث دون أن يفطن إلى عشرات المرات التي يسمع فيها النعيق دون أن يعقبه سوء.
٢- أوهام الكهف ldols of the cave:
وهي الأخطاء التي تنجم عن التصرفات الخاصة لشخص ما. فلكل فرد كهفه الخاص به، بمعنى أنه أسير عوامل وعادات معينة هي محصلة تربيته وثقافته وتكوينه الخاص. يترتب على ذلك اختلاف الأفراد في نظرتهم للأمور وحكمهم عليها، وهو ما يستتبع بالتالي التزام جانب الحذر، واجتناب الانسياق وراء الأهواء والميول الذاتية.
٣- أوهام السوق ldols of the market place:
وهي الأخطاء الناشئة عن عدم توخي الدقة اللغوية عند التخاطب والتعامل، أو عند التعبير عن الأفكار. ويكون تلافي تلك الأخطاء بتحديد معاني الألفاظ، ومعرفة دلالاتها.
٤- أوهام المسرح ldols of the theatre:
وهي الأخطاء التي يقع فيها الإنسان بسبب تسليمه بآراء السلف من العلماء والفلاسفة دون تمحيص. تلك الآراء أو المذاهب الفلسفية هي بمثابة المسرحيات التي تشير إلى عوالم من خلق مؤلفيها، ولا تمت إلى الواقع بصلة. من ذلك مثلا الاستنكار الذي واجهه العالم الإيطالي جاليليو عندما اكتشف بعض الأخطاء
[ ٩١ ]
في أقوال السلف من الفلاسفة. فبعد أن اخترع التلسكوب، وتمكن من رؤية كلف على وجه الشمس عرضه على زملائه في جامعة بيزا، ولكن بعضهم أنكر ذلك استنادا إلى أنه لم يجد في كتب أرسطو ما يثبت هذا الكلف. كذلك عابوا عليه جرأته في نقد آراء أرسطو بعد التجربة التي أثبت فيها خطأ المفكر اليوناني الكبير الذي كان يظن أن إلقاء جسمين مختلفين في الوزن من مكان مرتفع يؤدي بالجسم الأثقل إلى بلوغ الأرض قبل الأخف.
ثانيا: رغم أن أرسطو أدرك أن القياس والاستقراء هما أسلوبان للبرهنة -ينتقل بواسطتهما العقل من الكلي إلى الجزئي أو العكس- فإنه اهتم بشكل أساسي بنوع خاص من البرهنة هو القياس المنطقي. وقد ظل هذا المنهج سائدا في العصور القديمة، ثم استفحل أمره على يد المدرسيين في العصر الوسيط. وقد تعرض منهج أرسطو للنقد الشديد في أوروبا أيضا -وليس فقط في العالم الإسلامي- وذلك ابتداء من عصر النهضة، حيث ندَّد به العالم الكبير راموس وغيره من المفكرين الذين دعوا إلى الاعتماد على الملاحظة والتجربة.
ثم جاء فرانسيس بيكون ليحسم الخلاف نهائيا في أوروبا، وذلك بحملته على القياس المنطقي كوسيلة عقيمة تلزم الباحث بالتسليم بصحة المقدمات سلفا، والسعي لإثبات صحة ما هو معلوم مع العجز عن الكشف عن أية أفكار جديدة. وقد لخص بيكون القسم الإيجابي من منهجه في عدة مراحل، أهمها مرحلة التجريب، ثم مرحلة التسجيل١.
١- تشمل مرحلة التجريب جمع أكبر عدد ممكن من مفردات الظاهرة موضوع البحث حتى تسهل ملاحظتها في الظروف المختلفة. ويهدف بيكون من ذلك إلى تنويع التجارب وتكرارها ونقلها من المألوف إلى غير المألوف.
_________________
(١) ١ المرجع السابقن ص١٩١-١٩٣، عبد الرحمن بدوي، مناهج البحث العلمي، القاهرة ١٩٦٨، ص١٥٨-١٦٢.
[ ٩٢ ]
فإذا كان الورق يصنع من قصاصات الثياب مثلا، فهل يمكن استخراجه من مواد أخرى مثل لب الخشب؟
٢- أما مرحلة التسجيل، فتعني ترتيب وتصنيف الحقائق التي جمعت بشكل منظم في إطار لوحات، أو قوائم مميزة، أشار بيكون إلى ثلاث منها هي: قائمة حضور أو إثبات، وقائمة غياب أو نفي، وقائمة مقارنة أو تفاوت في الدرجة.
ففي قائمة الحضور أو الإثبات يتم جمع الشواهد والأحوال العديدة التي يمكن مشاهدتها، أو التحقق منها بالنسبة لظاهرة من الظواهر. وقد ذكر بيكون مثالا لذلك بمصادر الحرارة، فجمع ٢٧ حالة تحدث فيها الحرارة كأشعة الشمس والاحتكاك والصواعق والاختمار وحرارة الكائنات الحية إلخ.
وفي قائمة الغياب أو النفي أحصى بيكون الأحوال التي تختفي فيها ظاهرة الحرارة لعدم وجود المسبب، أي: أورد جميع الأمثلة التي تقابل الشواهد السالفة وتنعدم فيها الحرارة. ففي حالة الحرارة المتولدة من أشعة الشمس، هناك حالة أخرى لا تظهر فيها الحرارة لغياب العنصر المسبب لها وهو الشمس، هذه الحالة قد تكون حلول الليل، أو كسوف الشمس.
وفي قائمة المقارنة أو تفاوت الدرجة يتم تسجيل الشواهد التي تظهر فيها الحرارة بدرجات تتفاوت قوة وضعفا. وقد أحصى بيكون في هذه القائمة إحدى وأربعين حالة تبين التغير الذي يطرأ على الظاهرة زيادة، ونقصا تبعا لتغير الظروف.
رغم ذلك تعرض منهج بيكون للنقد؛ لأنه لم يستهدف كشف القوانين، وإنما مجرد الكشف عن صور الظواهر للتعرف على الخواص الذاتية للأشياء تمهيدا للسيطرة عليها. كما اعتبره البعض منهجا غير دقيق، لا يقدم للباحث إلا بعض النصائح التي تساعده أثناء البحث.
لهذا تعقد المقارنات أحيانا بين منهجي بيكون، وجون إستيوارت ميل "١٨٠٦-١٨٧٣" على أساس أن هذا الأخير استهدف وضع القواعد أو اللوائح
[ ٩٣ ]
الضرورية كخطوات لا بد من اتباعها في المنهج التجريبي لتكوين البرهان الاستقرائي، والتوصل إلى اكتشاف القوانين، وذلك عن طريق إثبات الروابط العلية بين الظواهر.
لكن منهج ميل نفسه لم يسلم هو الآخر من النقد الشديد، انطلاقا من أنه وإن كانت نصائح وإرشادات بيكون فضفاضة يأخذ بها الباحث، أو يعدل عنها وفقا للظروف والحاجات، فإن قواعد ميل متزمتة لا تسمح بالتحلل منها. ونكتفي هنا بتعداد تلك القواعد التي تعرف بمناهج ميل الخمسة وهي: منهج الاتفاق، منهج الافتراق، المنهج المزدوج للاتفاق والافتراق، منهج البواقي، منهج التغيرات المساوقة.
[ ٩٤ ]