يرد هذا المذهب العالم إلى كثرة من الأفكار، ومن أعلامه الفيلسوف الألماني وعالم الرياضيات والطبيعة لايبنتز، والفيلسوف الإنجليزي بيركلي.
وضع لايبنتز "١٦٤٦-١٧١٦" أسس المذهب الروحي الحديث الذي هاجم فيه مادية ديمقريطس في تفسير الوجود، وقدم تفسيره هو الذي يتلخص
[ ١٥٤ ]
في أن الموجودات تتألف من ذرات روحية أسماها مونادز Monads، وهي لا تفنى وتنزع دائما إلى الحركة وغير قابلة للتجزئة، كما أنها بسيطة لا شكل لها ولا مقدار.
ويرى لايبنتز أن تلك الذرات الروحية لا يمكن أن تقوم بينها علاقة سببية، ومع ذلك تشكل عالما يتسم بالتناسق والحركة. ويوجد تلك الذرات الروحية خالق فتصدر عنه كما يصدر النور عن الشمس، وهي مدركة ويتفاوت إدراكها قوة وضعفا تبعا لموقعها من سلم الترقي من الجماد إلى الحيوان إلى الإنسان إلى الله. ويستخلص لايبنتز من ذلك أن المادة في كل صورها وكذلك العالم الخارجي ليس لأيهما وجود بذاته.
أما الفيلسوف الإنجليزي بيركلي "١٦٨٥-١٧٥٣" فقد كان أسقفا هاله تمرد الناس على الدين، فوضع مذهبا أسماه اللامادية، ثار فيه على النزعة المادية الشائعة. بدلا من ذلك اعتبر العالم الخارجي مجرد أفكار تقوم في العقل وليست الأجسام إلا تصورات الروح، وبالتالي فإن المادة هي مجرد فكرة.
والمادة في نظر بيركلي معنى لا يمكن لإنسان أن يتصوره بغير صفاته، حتى رؤيتنا للمادة ليست دليلا على وجودها، فالمادة تعرف بصفاتها الحسية وليست هذه إلا من عمل العقل. يذكر بيركلي أيضا وجود معانٍ كلية مجردة كالزمان والمكان والحركة؛ لأنها في رأيه لا توجد خارج الذهن، ذلك أنه لا وجود للمدرك. إن الأشياء المرئية والمسموعة والمتذوقة وغيرها من المحسوسات ليست عنده إلا مجرد صور صورها العقل، فهي من عمل العقل الباطن. بذلك تصير اللامادية في مفهومه هي تحول المعاني إلى أشياء وليس تحول الأشياء إلى معانٍ.
واجه بيركلي صعوبة في تفنيد الحجة المادية التي تذهب إلى أن الناس متفقون في المعرفة، وأن هذا لا يحدث إلا إذا كان للمحسوسات وجود مستقل هو أصل وسبب هذه المعرفة. للرد على تلك الحجة قال بيركلي: إن الله هو
[ ١٥٥ ]
الذي نسق مدركاتنا وأفكارنا بعنايته وحكمته. هذا الاتساق بين الأفكار أدل على وجود الله من المعجزات. وبذلك أنكر تماما عالم المحسوسات لإثبات عالم العقل والروح في محاولة لمحاربة انتشار النزعة المادية آنذاك.
تعرضت آراء بيركلي للنقد الشديد؛ لأنها تؤدي في النهاية إلى هدم المذهب الروحي نفسه بدلا من الدفاع عنه. ومن هؤلاء الذين شككوا في حجية آرائه دافيد هيوم، فقد استعرض آراء بيركلي القائلة بأننا لا ندرك من الأشياء إلا صفاتها الحسية، وهذه من صنع عقولنا. ومن ثم فليس للمحسوسات وجود حقيقي خارج أذهاننا. وقد أضاف هيوم إلى ذلك أنه بناء عليه، فإن العقل والروح والخالق مجرد أوهام ليس لها وجود حقيقي١.
وإذا كان هناك من تعليق فهو أن تلك المذاهب المثالية تخفق في إثبات أسبقية الروح للمادة بسبب الأدلة التعسفية التي تلجأ إليها، والتي لا يقبلها المنطق أو التفكير السوي. وفي الوقت الذي نجد فيه أن الإنسان المعاصر قد تمكن من تحقيق إنجازات علمية وتكنولوجية باهرة على كافة الأصعدة، فإنه يقف عاجزا تماما أمام آية الخلق التي يوجزها الله "س" في كلمات تغني عن الأدلة السخيفة المفتعلة!
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ، مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ جورج بوليتزير، المادية والمثالية في الفلسفة، مرجع سابق، ص٥٦، توفيق الطويل، أسس الفلسفة، مرجع سابق، ص٢٤٥-٢٤٧، M. Rosenthal، P. Yudin، eds.، A Dictionary of Philosophy، op. cit.، pp. ٢٤١، ٥١، D. Runes، ed.، Dictionary of Philosophy، op. cit. pp. ١٦٦، ٣٨. ٢ سورة الحج، آية رقم ٧٣.
[ ١٥٦ ]
فيما عدا ذلك، فإن المذاهب والفلسفات المثالية إما عجزت عن الفهم، أو دافعت عن المثالية انطلاقا من أسباب ومنافع اقتصادية وسياسية. على الجانب الآخر، فإن المادية وإن كانت تعاني من القصور في تفسيرها لآية الخلق، فإنها بحكم استرشادها بالحقائق والتجارب العلمية قادرة على كشف الواقع وشرح العلاقات السببية بين الظواهر والأسباب الحقيقية الكامنة وراء الصراعات الاجتماعية، مما يقلق الأقلية من المستغلين الذين يستترون خلف المذاهب المثالية، ويكثرون من الحديث عن القيم الروحية ليس إيمانا بها، وإنما إخفاء للاستغلال غير المشروع الذي يتيحه لهم وضعهم الاجتماعي المميز، واستماتة في المحافظة عليه.
[ ١٥٧ ]