الحيوان الّذي يتولّد فيه اللولؤ، هو بعض الأصداف؛ وهو دقيق القوائم، لزجٌ، ينفتح بإرادة منه، وينضمّ كذلك. ويمشي أسرابًا، ويزدحم على المرعى. واختلفوا في تولّده في هذا الصّدف، فمنهم من قال إنّه يتكوّن فيه، كما يتكوّن البيض في الحيوان البيّاض. ذكر ذلك جمعٌ من المحقّقين.
وقيل: بل يطلع إلى سطح البحر في شهر نيسان، وينفتح الصدف، ويتلقى المطر، فينعقد حبّا. ذكره نصرٌ الجوهريّ، وكثيرٌ من الناس.
وأقول عند التّدقيق: لا تضادّ بين القولين، لجواز أن يكون تكوّن اللّؤلؤ في صدفه كتكوّن البيض، ويكون قطر نيسان له بمثابة النّطفة.
وقال الكنديّ: إنّ موضع اللّؤلؤ من هذا الحيوان، داخل الصدّف، وما كان منه يلي الفم، والأذن، فهو الجيّد منه.
وقالوا: إنّ الحبّ الكبير، إنّما يتكّون في حلقومه، ويزداد بالتفاف القشور عليه. والدّليل على ذلك. أنّه يوجد طبقاتٌ، والدّاخلة منها شبيهةٌ بالخارجة، وكلّها تشابه باطن الصّدف.
وله مغاصاتٌ مشهورةٌ في البحر الأخضر. ويوجد في مجازات تلك المغاوص، وبين تلك السّواحل. ومن المغاصات المشهورة " مغاص أوال " بالبحرينو " مغاص دهلك " و" السّرّين " و" مغاص الشّرجة " باليمن، و" مغاص القلزم " بجوار جبل الطوّر، و" مغاص غبّ سرنديب " و" مغاص سفالة الزّنج "، و" مغاص أسقطري ".
وقد يتفق في بعض المغاصات مانعٌ من الغوص كالحيوانات المؤذية الّتي في مغاص القلزم: ولهذا يدهن الغوّاصون عند الغوص أبدانهم بالميعة السّائلة، لأنّ الهواّ البحريّة لا تقربها. ويختلف اللّؤلؤ باختلاف المغاصات، من جهة تربة المكان، وغذاء الحيوان، كما تغلب الرصاصيّة على اللآلىء القلزميّة، والدهلكيّة.
والوقت الذّي يغاص فيه، هو من أوّل نيسان الرّوميّ إلى آخر شهر أيلول وفي ما عدا هذه المدّة، يسافر هذا الحيوان من السّواحل ويلجّج.
ويختلف اللّؤلؤ بالمقدار، فنه الكبار والصّغار، وما بين ذلك. وأعظم ما وجد منه " اليتيمية " الّتي كانت عند عبد الملك بن مروان. ذكر أنّها كان وزنها ثلثة مثاقيل. وكانت مع ذلك حائزةً لجميع صفات الحسن، مدحرجةً ونقيّةً، رطبةً رائعة، ولذلك سميت اليتيمة ولميذكر عها قيمة لكن ذكر الأخوان الرّازيّان أنّهما شاهدا في خزانة الأمير " يمين الدولة ". حبّةً ذات قاعدةٍ، وزنها مقالان وثلثٌ، وأنّها قوّمت بثلثين ألف دينارٍ. ويختلف اللّؤلؤ أيضًا من شكله: فمنه " المدحرج "، ويعرف " بالعيون "، وإذا كثرت استدارته، وماؤه، سمّي " نجمًا ". ومنه " المستطيل الزّيتونيّ ". ومنه " الغلاميّ "، وهو المستدير القاعدة، المحددّ الرّأس، كأنّه مخروطٌ. ومنه " الفلكيّ " المفرطح، ومنه " الفوفليّ "، و" اللّوزيّ "، و" الشّعيريّ ".، ومنه " المضرّس "، وهو أدونها شكلًا.
[ ٣ ]
ويختلف اللّؤلؤ أيضًا من لونه، فمنه " النّقيّ البياض "، ومنه " الرّصاصيّ "، ومنه " العاجيّ "، وصفرته غالبًا في حساب المرض له؛ وإذا زاد، وطال زمانه، اسودّ. واللّؤلؤ سريع التّغيير، لأنّه حيوانيٌّ، بخلاف الجواهر المعدنيّة: فإنّ أعمارنا لا تفي بتغيّر أكثرها. ويثقب هذا الحبّ، لأنّه يزداد بحسن التأليف في النّظم حسنًا، ورونقًا، وقيمةً. وإنّما يثقب بالماس، فلذلك لم يستعمل الأطبّاء في الأدوية إلاّ البكر غير المثقوب.
والقيمة عن الدّرّ في القديم " النّجم "، إذا كان وزنه مثقالًا، كانت قيمته ألف دينار؛ وإذا كان وزنه ثلثي مثقالٍ، كانت قيمته خمس مائة دينارٍ؛ وإذا كان وزنه نصف مثقالٍ، كانت قيمته مائتي دينارٍ؛ وإذا كان وزنه ثلث مثقالٍ، كانت قيمته خمسين دينارًا؛ وإذا كان وزنه ربع مثقالٍ، كانت قيمته عشرين دينارًا؛ وإذا كان وزنه سدس مثقال، فقيمته خمسة دنانير؛ وثمن مثقال فقيمته ثلثة دنانير، ونصف سدس مثقالٍ، فقيمته دينارٌ واحدٌ.
" والغلاميّ " بالنّصف من قيمة " النّجم ". وما عداهما، بالنّصف من قيمة " الغلاميّ ". وأمّا ما زاد على زاد وزن مثقالٍ، فيزاد لكلّ قيراطٍ في الوزن، مائة دينارٍ في الثّمن، إلى أن يبلغ مثقالًا ونصفًا؛ ثم يزاد لكلّ دانقٍ في الوزن خمس مائة دينارٍ في الثّمن، إلى أن يبلغ مثقالين، وما زاد عليه تتضاعف قيمته. وأمّا الآن. فالقيمة على قياس الجواهر، متضاعفةٌ، لكثرة الرّغبات من ملوك العصر، في اقتناء الجواهر النّفيسة. وأمّا صغاره، فبالدّرهم يقوّم.
وخاصّية الّلّؤلؤ: المنفعة من خفقان القلب، وتوحشّه، وأنّه يجلوا العين، ويزيد في الباه، ويقطع نزف الدّم. وشربته درهمٌ. والمحلول منه، يذهب البهق، والبرص، والكلف، والنّمش طلاء. ويبرىء الصّداع، والشقيقة سعوطًا. وصفة حلّه، أن يسحق ويعجن بماء حمّاض الأترجّ، ويعلق في دنٍ فيه خلٌ، بحيث يرتقي إليه بخار الخلّ، فإنه ينحل في ثلثة أسابيع. وهو يابس في الدّرجة الثانية. بارد في الأولى. وقيل: حارٌ فيها، لطيف جدًا.
قال نصرٌ الجوهريّ: إذا ذهب ماء اللؤلؤ وكدر فينبغي أن يودع أليةً مشروحةً، وتلف الألية في عجين مختمر، ويجعل في كوزٍ، ويحمى عليه، فإذا خرج دهن بالكافور، وقال (أبو الرّيحان البيرونيّ) إنّ ما كان تغيره من قبل الطّيب. فيجعل في قدح مطيّن، فيه صابون ونورةٌ غير مطفأةٍ، جزءان متساويان، ويصب عليه ماءٌ عذبٌ، وحل خمرٍ، ويغلى في نارٍ لينةٍ، ولا تزال ترفع رغوة الصّابون، وترمي بها، إلى أن تنقطع ويصفو الماء في القدح، وبعد ذلك يخرج اللؤلؤ، ويغسل وإن كان التغير في أديمه إلى السواد، فينقع في لبن التين أربعين يومًا، ثمّ ينقل إلى قدحٍ، فيه محلبٌ وكافورٌ، وخروعٌ أجزاءٌ سواءٌ، ويوضع على نار فحمٍ، مقدار ساعتين بدون نفخٍ عليها، ثم تنحّى.
وإن كان السواد في باطنه، طلي بشمع وجعل في قدحٍ مع حمّاض الأترج، ويبدل عليه كلّ ثلثة أيام، وتدام خضخضته حتّى يبيض.
وإن كان في أديمه صفرةٌ، نقع في لبن التيّن أربعين يومًا، ثم نقل إلى قدحٍ فيه قلى، وصابونٌ وبورق بالسوية، ويفعل فيه كما يفعل بالأسود.
وإن كانت الصفرة في داخله، جعل في محلب، وسمسم، وكافورٍ متساوية الأجزاء، مدقوقةٍ، ثمّ يلف فوقها عجين وتوضع في مغرفةٍ حديدٍ، وتغمر بدهن الأكارع، وتغلى غليتين، ثمّ تخرج.
وإن كان أحمر، أغلي في لبن حليبٍ، ثمّ طلي بأشنانٍ فارسيّ، وشبٍ يمانيّ، وكافور أجزاء متساوية، تدق ناعمًا، وتعجن بلبن حليبٍ، ويطلى به طليًا ثخينًا، وتودع جوف عجين قد عجن بلبنٍ حليبٍ، ويخبز في التّنور.
وإن كان رصاصيًا، نقع في حمّاض الأترجّ ثلثة أيّام: ثمّ يغسل بماء البيض، ويحفظ من الرّيح بالقطن.
وذكر غيرهما في تبيض الفاسد، أن يلقى في خلٍ ثقيفٍ مع حبّتين تنكارًا، وقيراط نوشادرًا وحبةٍ بورقًا وثلاث حبّات قلى مسحوقةٍ، ويغلى في مغرفة حديدٍ، ثمّ ترفع المغرفة عن النّار، وتوضع في ماءٍ باردٍ، ويدلك فيه بملحٍ أندرانيّ مسحوقٍ ناعمٍ، ثمّ يغسل بماءٍ عذب، ولا يبعد أن هذا العمل ينزع عنه قشره الأعلى، أو بعضه، والتّجربة خطرٌ.