لا بدَّ لنا قَبْلَ الخوض في تفصيل أحكام المسبوق أن نتعرف عَلَى أحوال المأموم في صلاة ما، وَهُوَ لا يخلو عن ثلاث أحوال:
المدرك: وَهُوَ من صلَّى جَمِيْع الصَّلاَة مَعَ الإمام.
اللاَّحق: مَن فاتته الركعات كلها أو بعضها مَعَ الإمام عَلَى الرغم من ابتدائه الصَّلاَة مَعَهُ، كأن عرض لَهُ عذر كالنوم أو الزحمة أو غيرها.
المسبوق: مَن سبقه الإمام بكل الصَّلاَة أو ببعضها (٧).
والذي نودّ التعرف عَلَى حكم إدراكه للصلاة: المسبوق، وَقَد اختلف الفقهاء في أنّ ما أدركه هَلْ هُوَ أول صلاته أم آخر صلاته، وأنّ ما يأتي بِهِ بَعْدَ سلام الإمام هَلْ هُوَ أول صلاته أم أنَّهُ يبني عَلَى ما صلّى فتكون آخر صلاته؟ عَلَى ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنّ ما أدركه المسبوق مَعَ الإمام هُوَ أول صلاته حكمًا وفعلًا، وما يقضيه بَعْدَ سلام الإمام آخر صلاته حكمًا وفعلًا.
_________________
(١) فتح الباري ٢/ ١١٩.
(٢) لَيْسَ في المطبوع من التمييز.
(٣) ٢/ ٩٩ (٦٠٢) (١٥١).
(٤) في مسنده ٢/ ٣١٨.
(٥) هُوَ مُحَمَّد بن رافع بن أبي زياد القشيري مولاهم، أبو عَبْد الله النيسابوري: ثقة عابد، توفي سنة (٢٤٥ هـ). الثقات ٩/ ١٠٢، وتهذيب الكمال ٦/ ٣٠٦ و٣٠٧ (٥٧٩٩)، والتقريب (٥٨٧٦).
(٦) فتح الباري ٢/ ١١٨. وانظر: الدر النقي ٢/ ٢٩٧، وعمدة القارى ٥/ ١٥٠.
(٧) هَذَا التقسيم وتعريفاته عِنْدَ المالكية والحنفية. انظر: الدر المختار ١/ ٥٩٤، والموسوعة الفقهية ٨/ ١٢٢.
[ ١٣٨ ]
وروي هَذَا عن: عمر، وعلي، وأبي الدرداء (١)، وعطاء، ومكحول، وعمر بن عَبْد العزيز (٢)، والزهري، وسعيد بن عَبْد العزيز (٣)، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر.
وَهُوَ رِوَايَة عن الحسن البصري، وابن سيرين، وأبي قلابة (٤).
وإليه ذهب الشافعية (٥) وَهُوَ رِوَايَة عن مالك (٦) وأحمد (٧)، وبه قَالَ الهادوية والقاسمية والمؤيد بالله والزيدية (٨).
واحتجوا بِمَا ورد في لفظ حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ: «فأتموا».
القول الثاني: أنّ ما أدركه المسبوق مَعَ الإمام هُوَ أول صلاته بالنسبة للأفعال، وآخرها بالنسبة للأقوال، بمعنى أنَّهُ يَكُوْن قاضيًا في القول بانيًا في الفعل.
روي هَذَا عن: ابن مسعود، وابن عمر، والنخعي، ومجاهد، والشعبي، وعبيد ابن عمير (٩)، والثوري، والحسن بن صالح (١٠).
_________________
(١) الصَّحَابِيّ الجليل أبو الدرداء عويمر بن زيد بن قيس، ويقال: عويمر بن عامر الأنصاري الخزرجي، هُوَ مِمَّنْ حفظ القرآن في حياة رَسُوْل الله - ﷺ -، توفي سنة (٣٢ هـ)، وَقِيْلَ: (٣١ هـ). معجم الصَّحَابَة ١١/ ٣٩٣٠،وتاريخ دمشق ٤٧/ ٩٣و٢٠٠ و٢٠١،وسير أعلام النبلاء ٢/ ٣٣٥ و٣٥٣.
(٢) هُوَ أمير المؤمنين الراشد الخامس، أبو حفص عمر بن عَبْد العزيز بن مروان القرشي الأموي المدني أشج بني أمية، ولد سنة (٦٣ هـ)، وتوفي (١٠١ هـ). سير أعلام النبلاء ٥/ ١١٤ و١١٥ و١٤٨، والبداية والنهاية ٩/ ١٦٣ وما بعدها، ومرآة الجنان ١/ ١٦٥ وما بعدها.
(٣) هُوَ الإِمَام سعيد بن عَبْد العزيز بن أبي يَحْيَى، أبو مُحَمَّد التنوخي الدمشقي مفتي دمشق، ولد سنة (٩٠ هـ)، وتوفي سنة (١٦٧ هـ). الجرح والتعديل ٤/ ٤٢، والعبر ١/ ٢٥٠، وسير أعلام النبلاء ٨/ ٣٢ و٣٨.
(٤) المغني ٢/ ٢٦٦، والمجموع ٤/ ٢٢٠، وطرح التثريب ٢/ ٣٦٤، وفقه الإمام سعيد ١/ ٢٧٦.
(٥) الحاوي الكبير ٢/ ٢٥٠ - ٢٥١، والتهذيب ٢/ ١٦٨، وروضة الطالبين ١/ ٣٤١، والمجموع ٤/ ٢٢٠.
(٦) المدونة ١/ ٩٧.
(٧) المغني ٢/ ٢٦٦، وطرح التثريب ٢/ ٣٦٤.
(٨) البحر الزخار ٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧، والسيل الجرار ١/ ٢٦٥ - ٢٦٦.
(٩) هُوَ عبيد بن عمير بن قتادة الليثي الجندعي المكي، أبو عاصم، ولد في حياة رَسُوْل الله - ﷺ -، وَكَانَ من ثقات التابعين، توفي سنة (٧٤ هـ). طبقات ابن سعد ٥/ ٤٦٣، وتذكرة الحفاظ ١/ ٥٠، وسير أعلام النبلاء ٤/ ١٥٦ و١٥٧.
(١٠) الحسن بن صالح بن صالح بن حي، أبو عَبْد الله الهمداني الثوري الكوفي، ولد سنة (١٠٠ هـ)،وتوفي (١٦٩هـ). =
[ ١٣٩ ]
وَهُوَ الرِّوَايَة الأخرى عن: الحسن البصري، وابن سيرين، وأبي (١) قلابة (٢). وبه قَالَ الحنفية (٣)، والمشهور من مذهب مالك (٤)، والأشهر في مذهب أحمد (٥)، وظاهر مذهب ابن حزم (٦).
واستدلوا بالرواية الأخرى في حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ: «فاقضوا».
القول الثالث: أنّ ما أدركه المسبوق مَعَ أمامه هُوَ آخر صلاته قولًا وفعلًا، وما بقي أولها.
روي هَذَا عن جندب بن عَبْد الله (٧)، وَهُوَ رِوَايَة عن مالك (٨) وأحمد (٩).