اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة عَلَى مَن أفطر عامدًا بغير الجماع
جمهور الفقهاء (٢) يرون وجوب الكفارة عَلَى مَن جامع عامدًا في نهار رَمَضَان؛ وَلَكِنْ حكى العبدري (٣) وغيره: أن سعيد بن جبير (٤)، والشعبي (٥)، ومُحَمَّد بن
سيرين (٦)، وقتادة (٧)، والنخعي (٨)، قالوا: لا كفارة عَلَيْهِ في الوطء أو غيره، وذهب الزيدية إِلَى أنّ الكفارة مندوبة (٩).
وَلَكِنَّ الفقهاء اختلفوا في الإفطارِ عامدًا في رَمَضَان بغير الجماع، هَلْ يوجِب الكفارة أم لا؟
فذهب أبو حَنِيْفَةَ (١٠) إِلَى أنّ الكفارة تجب عَلَى مَن جامع في نهار رَمَضَان وَهُوَ صائم وعلى مَن أفسد صومه بأكل أو شرب ما يتغذى أو يتداوى بِهِ، بمعنى أنّه: متى ما حصل الفطر بِمَا لا يتغذى أو يتداوى بِهِ عادة فعليه القضاء دُوْنَ الكفارة؛ وذلك لأنّ وجوب الكفارة يوجب اكتمال الجناية، والجناية تكتمل بتناول ما يتغذى أو يتداوى بِهِ (١١).
_________________
(١) = العلل ١٠/ ٢٤٥، والبيهقي ٤/ ٢٢٥ و٢٢٦.
(٢) السنن الكبرى ٤/ ٢٢٥.
(٣) انظر: الجامع الكبير للترمذي ٢/ ٩٥، والمجموع ٦/ ٣٤٤.
(٤) هُوَ الإمام الناقد، أَبُو عامر مُحَمَّد بن سعدون بن مُرجّى بن سعدون القرشي العبدري الميورفي المغربي الظاهري، توفي سنة (٥٢٤ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٩/ ٥٧٩ و٥٨٣، وتاريخ الإسلام: ١٠٣ وفيات (٥٢٤ هـ)، ومرآة الجنان ٣/ ١٧٧.
(٥) انظر: الحاوي الكبير ٣/ ٢٧٦، والمغني ٣/ ٥٥، والمجموع ٦/ ٣٤٤.
(٦) انظر: الحاوي الكبير ٣/ ٢٧٦، والمغني ٣/ ٥٥، والمجموع ٦/ ٣٤٤.
(٧) انظر: المحلى ٦/ ١٨٨.
(٨) انظر: المجموع ٦/ ٣٤٤.
(٩) انظر: الحاوي الكبير ٣/ ٢٧٦، والمغني ٣/ ٥٥، والمجموع ٦/ ٣٤٤.
(١٠) انظر: البحر الزخار ٣/ ٢٤٩ و٢٥٤، والسيل الجرار ٢/ ١٢٠.
(١١) انظر: بدائع الصنائع ٢/ ٩٧ - ٩٨، والهداية ١/ ١٢٤، والاختيار لتعليل المختار ١/ ١٣١، وتبيين الحقائق ١/ ٣٢٧، ورد المحتار ٢/ ٤٠٩.
(١٢) انظر: المبسوط ٣/ ١٣٨.
[ ١٤٨ ]
في حِيْن ذهب الحسن (١)، وعطاء (٢)، والزهري (٣)، والأوزاعي (٤)، والثوري (٥)، ومالك (٦)، وعبد الله بن المبارك (٧)، وإسحاق (٨)، وأبو ثور (٩)، أن مَن أفطر عامدًا في رَمَضَان بأكل أو شرب أو جماع، فإنّ عَلَيْهِ القضاء والكفارة؛ وذلك لأنهم استدلوا بظاهر لفظ الْحَدِيْث (أنّ رجلًا أفطر في رَمَضَان) فليس فِيْهِ تخصيص فطر بشيء دُوْنَ الآخر كَمَا يمكن قياس الأكل أو الشرب عَلَى الجماع؛ بجامع ما بَيْنَهُمَا من انتهاك لحرمة الصوم (١٠).
وذهب سعيد بن المسيب (١١)، والشافعي (١٢)، والصحيح من مذهب أحمد (١٣)، والظاهرية (١٤)، إِلَى عدم وجوب الكفارة عَلَى مَن أفطر عامدًا في رَمَضَان إلا عَلَى المجامع، وحملوا الإفطار في الرِّوَايَة الأولى للحديث عَلَى تقييد الرِّوَايَة الثانية بالجماع فَقَطْ. أما القياس، فَقَدْ قَالَ البغوي: «يختص ذَلِكَ بالجماع؛ لورود الشرع بِهِ، فَلاَ يقاس عَلَيْهِ سائر أنواع الفطر كَمَا لا يقاس عَلَيْهِ سائر أنواع الفطر؛ كَمَا لا يقاس عَلَيْهِ القيء
_________________
(١) انظر: المجموع ٦/ ٣٣٠.
(٢) كَذَلِكَ.
(٣) كَذَلِكَ.
(٤) كَذَلِكَ، وانظر: فقه الأوزاعي ١/ ٣٨٩.
(٥) انظر: الجامع الكبير للترمذي ٢/ ٩٥، والمجموع ٦/ ٣٣٠.
(٦) انظر: المدونة الكبرى ١/ ٢١٨ و٢٢٠، والتمهيد ٧/ ١٦٢، والاستذكار ٣/ ١٩٤، والمنتقى ٢/ ٥٢، وبداية المجتهد ١/ ٢٢١، والقوانين الفقهية: ١١٧ - ١١٨، وأسهل المدارك إِلَى فقه الإمام مالك ١/ ٤٢١.
(٧) انظر: الجامع الكبير ٢/ ٩٥.
(٨) انظر: الجامع الكبير ٢/ ٩٥، والمجموع ٦/ ٣٣٠.
(٩) انظر: المجموع ٦/ ٣٣٠.
(١٠) انظر: فتح الباري ٤/ ١٦٥.
(١١) وَهُوَ ما استنتجه الدكتور هاشم جميل من الروايات عن سعيد بن المسيب. انظر: فقه سعيد ٢/ ٢١٦.
(١٢) انظر: الأم ٢/ ١٠٠ - ١٠١، والحاوي الكبير ٣/ ٢٧٦ و٢٨٩، والتهذيب ٣/ ١٦٧ و١٧٠، والمجموع ٦/ ٣٢٩ و٦٤٤، وروضة الطالبين ٢/ ٣٧٧.
(١٣) انظر: مسائل الإمام أحمد، برواية أبي داود: ٩٣، وبرواية ابن هانئ ١/ ١٢٨ (٦٢١) و١/ ١٢٩ (٦٣٠) و١/ ١٣٣ (٦٥٤)، وبرواية عَبْد الله بن أحمد ٢/ ٦٥٥ (٨٨٤)، والروايتين والوجهين: ٤٧/ أ، والمقنع: ٦٤، والمغني ٣/ ٥٥، والمحرر ١/ ٢٢٩.
(١٤) انظر: المحلى ٦/ ١٨٥.
[ ١٤٩ ]
وابتلاع الحصاة مَعَ استوائهما في بطلان الصوم، ووجوب القضاء» (١).
وفي رِوَايَة عن أحمد: أنَّهُ تجب الكفارة عَلَى المجامع في نهار رَمَضَان عامدًا أم
ناسيًا (٢).
ويتفرع عَلَى هَذَا أيضًا
اختلاف الفقهاء في الكفارة هَلْ هِيَ عَلَى الترتيب أَمْ عَلَى التخيير؟
اختلف الفقهاء في تحديد الكفارة عَلَى مَن أفطر عامدًا في رَمَضَان هَلْ هِيَ مقيدة بالترتيب أم أنها عَلَى التخيير؟
فذهب أبو حَنِيْفَةَ (٣)، والأوزاعي (٤)، والثوري (٥)، والشافعي (٦)، وأحمد في أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ (٧)، إِلَى أنّ الكفارة مقيدة عَلَى الترتيب الوارد في الْحَدِيْث، فهي عتق رقبة، فإن لَمْ يجد فصيام شهرين متتابعين (٨)، فإن لَمْ يستطع، فإطعام ستين مسكينًا، وَهُوَ مذهب الظاهرية (٩)، والزيدية (١٠).
في حِيْن ذهب مالك وأصحابه (١١)، وأحمد في رِوَايَة عَنْهُ (١٢) إِلَى أنّ الكفارة عَلَى التخيير، أي: أنَّهُ مخيّر بَيْنَ العتق أو الصيام أو الإطعام بأيِّها كفّر فَقَدْ أوفى، واستدلوا برواية مالك وابن جريج ومَن تابعهم لحديث أبي هُرَيْرَةَ (أمره رَسُوْل الله - ﷺ - أن يكفر
_________________
(١) التهذيب ٣/ ١٧٠، وكذا ورد النص في المطبوع مِنْهُ!! وأظن أنّ فِيْهِ تكرارًا.
(٢) انظر: الروايتين والوجهين: ٤٧/ أ، والمقنع: ٦٤، والمحرر ١/ ٢٢٩.
(٣) انظر: الهداية ١/ ١٢٥، والاختيار لتعليل المختار ١/ ١٣١، وتبيين الحقائق ١/ ٣٢٨، ورد المحتار ٢/ ٤١١.
(٤) انظر: المغني ٣/ ٦٥، والمجموع ٦/ ٣٤٥، وفقه الأوزاعي ١/ ٣٨٥.
(٥) انظر: المغني ٣/ ٦٥، والمجموع ٦/ ٣٤٥.
(٦) انظر: الحاوي الكبير ٣/ ٢٨٦، والتهذيب ٣/ ١٦٧، والمجموع ٦/ ٣٤٥، وروضة الطالبين ٢/ ٣٧٩.
(٧) انظر: مسائل الإمام أحمد برواية عَبْد الله بن أحمد ٢/ ٦٥٢ (٨٨٢)، والروايتين والوجهين: ٤٧/ أ، والمغني ٣/ ٦٥، وشرح الزركشي ٢/ ٣٢.
(٨) أجمع الفقهاء عَلَى أنّ صيام الشهرين متتابع وَلَكِنْ روي عن ابن أبي ليلى جواز تفريق الصيام؛ وذلك لورود الْحَدِيْث بصيام الشهرين، وَلَمْ يذكر الترتيب. قَالَ ابن عَبْد البر: «وَقَدْ ذكرنا في التمهيد من ذَكَرَ التتابع في الشهرين بإسانيد حسان». الاستذكار ٣/ ١٩٥، وانظر: التمهيد ٧/ ١٦٢ و١٦٥ و١٦٦، والمغني ٣/ ٦٦، والمجموع ٦/ ٣٤٥.
(٩) انظر: المحلى ٦/ ١٩٧.
(١٠) انظر: البحر الزخار ٣/ ٣٤٩.
(١١) انظر: الاستذكار ٣/ ١٩٥، والتمهيد ٧/ ١٦٢، والمنتقى ٢/ ٥٤، وبداية المجتهد ١/ ٢٢٣، والقوانين الفقهية: ١٢١، وأسهل المدارك ١/ ٤٢٣.
(١٢) انظر: الرِّوَايَتَيْنِ والوجهين: ٤٧/ أ، والمقنع: ٦٥، والهادي: ٥٤، والمحرر ١/ ٢٣٠.
[ ١٥٠ ]
بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا)، و(أو) هنا تقتضي التخيير، واختار مالك الإطعام؛ لأنَّهُ يشبه البدل من الصيام، فَقَالَ مالك: «الإطعام أحب إليَّ في ذَلِكَ من العتق وغيره» (١)، وَعَنْهُ في رِوَايَة أخرى - جوابًا لسائله -: «الطعام، لا نعرف غَيْر الطعام لا يأخذ مالك بالعتق ولا بالصيام» (٢).
وذهب الحسن البصري (٣) إِلَى التخيير بَيْنَ العتق، ونحر بدنة، واستدل بحديث أرسله هُوَ «أنّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ في الَّذِي وطئ امرأته في رَمَضَان: رقبة ثُمَّ بدنة» (٤).
وروي عن الشعبي (٥)، والزهري (٦) أنّ مَن أفطر في رَمَضَان عامدًا فإنّ عَلَيْهِ عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكينًا، أو صيام شهرين متتابعين مَعَ قضاء اليوم. قَالَ ابن عَبْد البر: «وفي قَوْل الشعبي والزهري ما يقضي لرواية مالك بالتخيير في هَذَا الْحَدِيْث» (٧).