حكم من أكل أو شرب ناسيًا في نهار رَمَضَان
اختلف الفقهاء فيمن أكل أو شرب ناسيًا في نهار رَمَضَان، هَلْ يفسد صومه أم لا؟ عَلَى قولين:
الأول: لا يفسد صوم من أكل أو شرب ناسيًا، وَهُوَ قَوْل جمهور الفقهاء، وإليه
_________________
(١) مسائل من الفقه المقارن ١/ ٢٤ و٢٧٥، وأثر علل الْحَدِيْث: ١٩٢ - ١٩٣.
[ ١٩١ ]
ذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، والزيدية (٥)، والإمامية (٦).
الثاني: يفسد صوم من أكل أو شرب ناسيًا، وَعَلَيْهِ القضاء، وبه قَالَ ربيعة
الرأي (٧)، والمالكية (٨)، والقاسمية من الزيدية (٩).
الأدلة:
استدل القائلون بالمذهب الأول بأدلة عديدة، مِنْهَا:
ما رَوَاهُ أبو هُرَيْرَةَ - ﵁ - أن رَسُوْل الله - ﷺ - قَالَ: «إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه».
رَوَاهُ عَبْد الرزاق (١٠)، وأحمد (١١)، والدارمي (١٢)، والبخاري (١٣)، ومسلم (١٤)، وأبو داود (١٥)، وابن ماجه (١٦)، والترمذي (١٧)، والنسائي (١٨)، وابن الجارود (١٩)،
_________________
(١) المبسوط ٣/ ٦٥، وبدائع الصنائع ٢/ ٩٠، والاختيار ١/ ١٣٣، وشرح فتح القدير ٢/ ٦٢، وتبيين الحقائق ١/ ٣٢٢، وحاشية ابن عابدين ٣/ ١٩٦.
(٢) الأم ٢/ ٩٧، والمهذب ١/ ١٩٠، والحاوي الكبير ٣/ ٣٢٠، والتهذيب ٣/ ١٦٣، والمجموع ٦/ ٣٢٣، وروضة الطالبين ٢/ ٣٦٣، وشرح المنهج مَعَ حاشية الجمل ٢/ ٣٣٤، ونهاية المحتاج ٣/ ١٧٢، وكفاية الأخيار ١/ ٣٩٤.
(٣) المغني ٣/ ٥١، والمقنع: ٦٤، والمحرر ١/ ٢٢٩، وشرح الزركشي عَلَى مَتْن الخِرَقِيّ ٢/ ١٩.
(٤) المحلى ٦/ ٩٣ و٩٥.
(٥) مسند الإمام زيد: ٢٠٥، والبحر الزخار ٣/ ٢٥٥، والسيل الجرار ٢/ ١٢١.
(٦) من لا يحضره الفقيه ٢/ ٧٥، وتهذيب الأحكام ٤/ ٢٤٠.
(٧) فتح الباري ٤/ ١٥٥.
(٨) الموطأ ١/ ٤٠٩ (٨٤٣) رِوَايَة الليثي، والمدونة الكبرى ١/ ١٩٢، والمنتقى ٢/ ٦٥، والاستذكار ٣/ ٢٣١، والقوانين الفقهية: ١٢٠، وشرح منح الجليل ١/ ٤٠٠.
(٩) البحر الزخار ٣/ ٢٥٣، والسيل الجرار ٢/ ١٢٠.
(١٠) في مصنفه (٧٣٧٢).
(١١) في مسنده ٢/ ٤٢٥ و٤٩١ و٤٩٣ و٥١٣.
(١٢) في سننه (١٧٢٦) و(١٧٣٣) و(١٧٣٤).
(١٣) في صحيحه ٣/ ٤٠ (١٩٣٣) و٨/ ١٧٠ (٦٦٦٩).
(١٤) في صحيحه ٣/ ١٦٠ (١١٥٥) (١٧١).
(١٥) في سننه (٢٣٩٨).
(١٦) في سننه (١٦٧٣).
(١٧) في جامعه (٧٢١) و(٧٢٢).
(١٨) في سننه الكبرى (٣٢٧٥).
(١٩) في المنتقى (٣٨٩).
[ ١٩٢ ]
وأبو يعلى (١)، وابن خزيمة (٢)، وابن حبان (٣)، والطبراني (٤)، والدارقطني (٥)، والبيهقي (٦)، والبغوي (٧).
وجه الدلالة: أن النص ظاهر في أن الأكل والشرب بالنسبة للصائم ناسيًا لا يؤثر في الصوم، والنص مطلق من حَيْثُ عدم تقييد الصيام بكونه فرضًا أو نفلًا.
قَالَ ابن دَقِيْقِ العِيْدِ: «عمدة من لَمْ يوجب القضاء هَذَا الْحَدِيْث وما في معناه أو ما يقاربه، فإنه أمرَ بالإتمام وسمى الَّذِي يتم صومًا، وظاهره حمله عَلَى الحقيقية الشرعية، وإذا كَانَ صومًا وقع مجزئًا، ويلزم من ذَلِكَ عدم وجوب القضاء» (٨).
ثُمَّ قَالَ: «وإذا دار اللفظ بَيْنَ حمله عَلَى المعنى اللغوي والشرعي، كَانَ حمله عَلَى الشرعي أولى» (٩).
وأجاب من قَالَ بالمذهب الثاني عن هَذَا الاستدلال بِمَا يأتي:
١ - قالوا: هَذَا الْحَدِيْث خبر آحاد، وَقَدْ عارض القاعدة العامة الَّتِي تقول: «النسيان لا يؤثر في باب المأمورات» (١٠). أي لا يؤثر من ناحية براءة ذمة المكلف مِنْهُ.
قَالَ ابن العربي (١١): «أصل مالك في أن خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لَمْ يعمل بِهِ» (١٢)
فما يفسد الصوم بعدمه عَلَى وجه العمد، فإنه يفسده عَلَى وجه النسيان، كَمَا في
_________________
(١) في مسنده (٦٠٣٨) و(٦٠٥٨) و(٦٠٧١).
(٢) في صحيحه (١٩٨٩).
(٣) في صحيحه (٣٥١٩) و(٣٥٢٠) و(٣٥٢٢).
(٤) في الأوسط (٩٥٣).
(٥) في سننه ٢/ ١٧٨ و١٨٠.
(٦) في السنن الكبرى ٤/ ٢٢٩.
(٧) في شرح السنة (١٧٥٤).
(٨) إحكام الأحكام ٢/ ٢١١ - ٢١٢.
(٩) المصدر السابق ٢/ ٢١٢.
(١٠) المنثور في القواعد للزركشي ٣/ ٣٩٨.
(١١) الإمام العلامة أبو بكر مُحَمَّد بن عَبْد الله بن مُحَمَّد الإشبيلي ولد سنة (٤٦٨ هـ)، كَانَ من أهل التفنن في العلوم، من تصانيفه "عارضة الأحوذي في شرح التِّرْمِذِيّ"وكتاب "التفسير"، توفي سُنَّةُ (٥٤٣ هـ). تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٩٤ - ١٢٩٥ و١٢٩٧، وسير أعلام النبلاء ٢٠/ ١٩٧ - ١٩٨ و١٩٩، وتاريخ الإسلام وفيات (٥٤٣ هـ): ١٥٩ و١٦٠.
(١٢) عارضة الأحوذي ٣/ ١٩٧.
[ ١٩٣ ]
النية (١)، والصيام ركنه الإمساك، فإذا فات الركن في العبادة وجب الإتيان بِهِ، وَقَدْ تعذر هنا، فاقتضى الحكم بفساد صومه.
قَالَ ابن دَقِيْقِ العِيْدِ: «ذ هب مالك إِلَى إيجاب القضاء وَهُوَ القياس، فإن الصوم قَدْ فات ركنه وَهُوَ من باب المأمورات، والقاعدة تقتضي أن النسيان لايؤثر في باب المأمورات» (٢)، وأفاض الْقَاضِي ابن العربي في تأييد مذهب مالك، فَقَالَ: «هَذَا الْحَدِيْث صَحِيْح مليح ينظر إِلَى مطلقه دُوْنَ تثبت جَمِيْع فقهاء الأمصار، وقالوا: من أفطر ناسيًا لا قضاء عَلَيْهِ، تعلقًا بقول النَّبِيّ؟ في الصَّحِيْح: «إنّ الله أطعمك وسقاك».
وتطلّع مالك إِلَى المسألة من طريقها، فأشرف عَلَيْهَا فرأى في مطلعها: أن عَلَيْهِ القضاء؛ لأن الصوم عبارة عن الإمساك عن الأكل، فَلاَ يوجد مَعَ الأكل لأنَّهُ ضده، وإذا لَمْ يبق ركنه وحقيقته لَمْ يوجد، وَلَمْ يَكُنْ ممتثلًا ولا قاضيًا ما عَلَيْهِ، ألا ترى أن مناقض شرط الصَّلاَة وَهُوَ الوضوء: الحدث، إذا وجد سهوًا أو عمدًا أبطل الصَّلاَة؛ لأن الأضداد لا جماع مَعَ أضدادها شرعًا ولاحسًا، وَلَيْسَ لهذا الأصل معارض إلا الكلام في الصَّلاَة» (٣).
٢ - حمل الْحَدِيْث عَلَى صوم التطوع دُوْنَ الفرض، بحجة أن الْحَدِيْث لَمْ يقع فِيْهِ تعيين رَمَضَان، فيصار إلى حمله عَلَى التطوع (٤).
٣ - حمل الْحَدِيْث عَلَى أمر الصائم الَّذِي تَكُوْن هَذِهِ حاله بإتمام صيام ذَلِكَ اليوم، وسقوط الإثم عَنْهُ، لَكِنْ يجب عَلَيْهِ قضاؤه (٥).
٤ - قَالَ ابن العربي: «وهذا الْحَدِيْث يوافق القاعدة في رفع الإثم فقبل في ذَلِكَ، ولا يوافقها في بقاء العبادة بَعْدَ ذهاب ركنها أشتاتًا فَلاَ يعمل بِهِ» (٦).
وأجيب عَنْهُمْ:
أما أولًا: فالقياس المذكور قياس غَيْر صَحِيْح؛ لكونه في مقابلة النص، ولا اجتهاد في مورد النص، وَقَدْ ذَكَرَ البرماوي في شرح العمدة: أن شرط القياس عدم مخالفة النص (٧).
_________________
(١) المنتقى ٥/ ٦٥.
(٢) إحكام الأحكام ٢/ ٢١١ - ٢١٢.
(٣) عارضة الأحوذي ٣/ ١٩٦.
(٤) عمدة القاري ١١/ ١٨.
(٥) فتح الباري ٤/ ١٥٦ - ١٥٧.
(٦) عارضة الأحوذي ٣/ ١٩٧.
(٧) إرشاد الساري ٣/ ٣٧٢.
[ ١٩٤ ]
وكون الْحَدِيْث خبر واحد مخالف للقاعدة، أمر فِيْهِ نظر، وعلل هَذَا الحافظ ابن حجر فَقَالَ: «لأنَّهُ - يعني: الْحَدِيْث المذكور - قاعدة مستقلة بالصيام فمن عارضه بالقياس عَلَى الصَّلاَة أدخل قاعدة في قاعدة، وَلَوْ فتح باب رد الأحاديث الصَّحِيْحَة بمثل هَذَا لما بقي من الْحَدِيْث إلا القليل» (١).
وأما ثانيًا: فَقَدْ ورد التصريح بتعيين رَمَضَان في بَعْض طرق الْحَدِيْث، فأخرج ابن خزيمة (٢)، ومن طريقه ابن حبان (٣)، وأخرجه الطبراني (٤)،
والدارقطني (٥)، والحاكم (٦)، ومن طريقه البيهقي (٧)، كلهم من طريق مُحَمَّد
ابن عَبْد الله الأنصاري، عن مُحَمَّد بن عَمْرو (٨)، عن أبي سلمة بن عَبْد الرَّحْمَان،
عن أبي هُرَيْرَةَ، مرفوعًا: «من أفطر في شهر رَمَضَان ناسيًا، فَلاَ قضاء عَلَيْهِ ولا كفارة» (٩).
وأما ثالثًا: فإن قوله - ﷺ - في نهاية الْحَدِيْث: «فإنما أطعمه الله وسقاه»، دليل عَلَى صحة صومه، فَهُوَ مشعر بأن الفعل الصادر مِنْهُ غَيْر مضاف إِلَيْهِ، والحكم بكونه مفطرًا يحتاج إِلَى إضافته إِلَيْهِ (١٠).
لذا قَالَ الخطابي (١١): «معناه أن النسيان ضرورة، والأفعال الضرورية غَيْر مضافة
في الحكم إِلَى فاعلها وغير مؤاخذ بِهَا، والقياس مطرد إلا أن يكثر النسيان، فإنه إذا تتابع أخرج العبادة عن حد القربة، وردها إِلَى حد العدم» (١٢).
_________________
(١) فتح الباري ٤/ ١٥٧.
(٢) في صحيحه (١٩٩٠).
(٣) في صحيحه (٣٥٢١).
(٤) في الأوسط (٥٣٤٨) ط الطحان.
(٥) في سننه ٢/ ١٧٨.
(٦) في مستدركه ١/ ٤٣٠ وَقَالَ: «صَحِيْح عَلَى شرط مُسْلِم».
(٧) في سننه ٤/ ٢٢٩.
(٨) هُوَ أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عَمْرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني: صدوق لَهُ أوهام، توفي سنة (١٤٥ هـ)، وَقِيْلَ: (١٤٤ هـ). التاريخ الكبير ١/ ١٩١ - ١٩٢، وتهذيب الكمال ٦/ ٤٥٩ و٤٦٠ (٦١٠٤)، والتقريب (٦١٨٨).
(٩) انظر: نصب الراية ٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦، وفتح الباري ٤/ ١٥٧.
(١٠) إحكام الأحكام ٢/ ٢١٢، وفتح الباري ٤/ ١٥٦.
(١١) الإِمَام الحَافِظ أبو سليمان، حمد بن مُحَمَّد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي، صاحب التصانيف مِنْهَا " معالم السنن " و" الغنية عن الكلام وأهله "، توفي سنة (٣٨٨ هـ). الأنساب ١/ ٣٦٤، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٣ و٢٧، ومرآة الجنان ٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨.
(١٢) شرح الكرماني عَلَى صَحِيْح البُخَارِيّ ٩/ ١٠٦.
[ ١٩٥ ]