(حكم استتار المصلي بالخط إذا لَمْ يجد مَا ينصبه)
وَقَدْ ترتب عَلَى حكم من حكم باضطراب الحَدِيْث، اختلاف فقهي في حكم سترة المصلي، فالسُّترة -بالضم- مأخوذة من السِّتْر، وَهِيَ في اللغة: مَا استترت بِهِ من شيء كائنًا مَا كَانَ، وكذا الستار والستارة، والجمع السَّتائر والسّتَر (٥). وَفِي الاصطلاح الشرعي: هِيَ مَا يغرز أو ينصب أمام المصلي من عصا أو غَيْر ذَلِكَ، أو مَا يجعله المصلي أمامه لمنع المارين بَيْنَ يديه (٦).
والسترة في الصَّلاَة مشروعه لمنع المارين، قَالَ ابن عَبْد البر: «السترة في الصَّلاَة سنة مسنونة معمول بِهَا» (٧)، وَقَدْ وردت أحاديث صَحِيْحَة بِهَا (٨)، وَقَدِ اختلف أهل العِلْم فيمن لَيْسَ لديه شيء يجعله سترة لَهُ، هَلْ يشرع لَهُ أن يخط خطًا؟ فَقَدْ ذهب الأوزاعي (٩)، وسعيد بن جبير (١٠)، والإمام أحمد (١١)، والشَّافِعيّ في القديم (١٢)، وأبو
_________________
(١) المبسوط ١/ ١٩٢.
(٢) التلخيص الحبير ١/ ٦٨١ ط العلمية، طبعة شعبان ١/ ٣٠٥.
(٣) إكمال المعلم ٢/ ٤١٤.
(٤) انظر: شرح صَحِيْح مُسْلِم ٢/ ١٣٥ ط الشعب، و٤/ ٢١٧ ط كراتشي.
(٥) مقاييس اللغة ٣/ ١٣٢، لسان العرب ٤/ ٣٤٣، وتاج العروس ١١/ ٤٩٨ - ٤٩٩، ومتن اللغة ٣/ ١٠٣ مادة (ستر).
(٦) قواعد الفقه للبركتي:٣١٩، وحاشية الطحطاوي عَلَى مراقي الفلاح:٢٠٠، والشرح الصغير للدردير ١/ ٣٣٤، والموسوعة الفقهية ٢٤/ ١٧٧.
(٧) التمهيد ٤/ ١٩٣.
(٨) ساقها ابن عَبْد البر في التمهيد ٤/ ١٩٣ - ١٩٨ وتكلم عن أحكامها، ومقدار الدنو مِنْها، وحكم استقبالها، والصمد إليها، وعن صفتها وارتفاعها وغلظها. وساق ابن الأثير في جامع الأصول ٥/ ٥١٩ (٣٧٣٩ - ٣٧٤٨) عَشْرَة أحاديث فِيْهَا.
(٩) التمهيد ٤/ ١٩٨.
(١٠) التمهيد ٤/ ١٩٨.
(١١) التمهيد ٤/ ١٩٩، والمغني ٢/ ٧٠، وشرح الزَّرْكَشِيّ ١/ ٤٢٢.
(١٢) المجموع ٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦، ونهاية المحتاج ٢/ ٥٢ - ٥٣.
[ ٢٢٧ ]
ثور (١) إلى أن المصلي إذا لَمْ يجد مَا يستتر بِهِ يخط خطًا.
والحجة لَهمُ الحَدِيْث السابق، قَالَ ابن عَبْد البر: «هَذَا الحَدِيْث عِنْدَ أحمد بن حَنْبَل، ومن قَالَ بقوله حَدِيث صَحِيْح، وإليه ذهبوا، ورأيت أن عَلِيّ بن المديني كَانَ يصحح هَذَا الحَدِيْث ويحتج بِهِ» (٢).
وذهب آخرون إلى عدم مشروعية الخط في الصَّلاَة، مِنْهُمُ: الليث بن سعد (٣) والإمام مَالِك، وَقَالَ: «الخط باطل» (٤). والإمام أبو حَنِيْفَة وأصحابه (٥)، والإمام الشَّافِعيّ بمصر، وَقَدْ قَالَ: «لا يخط بين يديه خطًا إلا أن يَكُون في ذَلِكَ حَدِيث ثابت فيتبع» (٦).