اختلف الفقهاء في حكم من سبق في صلاة الجمعة عَلَى ثلاثة مذاهب:
الأول: لا تصح الجمعة لِمَنْ لَمْ يدرك شيئًا من خطبة الإمام. وبه قَالَ الهادوية من الزيدية (٣).
وروي عن عمر (٤) بن الخطاب (٥)، ومجاهد (٦)، وعطاء (٧)، وطاووس (٨)، ومكحول (٩). وحجتهم: أن الإجماع منعقد عَلَى أن الإمام لَوْ لَمْ يخطب بالناس لَمْ يُصلوا إلا أربعًا، فدل ذَلِكَ عَلَى أن الخطبة جزء من الصلاة (١٠). وهذا الرأي مخالف لصريح السنة كَمَا يأتي.
_________________
(١) التلخيص الحبير ٢/ ٤٣، وفي الطبعة العلمية ٢/ ١٠٧. وانظر: التمهيد ٧/ ٦٤، ونصب الراية ١/ ٢٢٨.
(٢) علل الْحَدِيْث ١/ ١٧٢ (٤٩١).
(٣) سبل السلام ٢/ ٤٧.
(٤) هُوَ أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، توفي سنة (٢٣ هـ) شهيدًا - ﵁ - وأرضاه. معجم الصَّحَابَة ١٠/ ٣٨١٤، وأسد الغابة ٤/ ٥٢، والعبر ١/ ٢٧.
(٥) الحاوي الكبير ٣/ ٥٠، والمجموع ٤/ ٥٥٨.
(٦) هُوَ الإمام شيخ القراء والمفسرين أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي مولى السائب بن أبي السائب، توفي سنة (١٠٢ هـ) وَهُوَ من كبار التَّابِعِيْنَ. طبقات ابن سعد ٥/ ٤٦٦، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٩ - ٤٥٥، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٤٢. والرواية عَنْهُ في: الحاوي الكبير ٣/ ٥٠، والمغني ٢/ ١٥٨، والمجموع ٤/ ٥٥٨.
(٧) انظر ما سبق.
(٨) طاووس بن كيسان الخولاني اليماني أحد أبناء الفرس الحميري، وَقِيْلَ: الهمداني، أَبُو عَبْد الرحمان، من كبار التَّابِعِيْنَ، وَكَانَ فقيهًا جليل القدر، نبيه الذكر، حافظًا ثقة، مات سنة (١٠٦ هـ)، وَقِيْلَ: (١٠٤ هـ). الجرح والتعديل ٤/ ٥٠٠، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢٥١، ووفيات الأعيان ٢/ ٥٠٩، وانظر: الحاوي الكبير ٣/ ٥٠، والمغني ٢/ ١٥٨، وحلية العلماء ٢/ ٢٧٥.
(٩) انظر: الحاوي الكبير ٣/ ٥٠، والمغني ٢/ ١٥٨، وحلية العلماء ٢/ ٢٧٥.
(١٠) الاستذكار ٢/ ٣٣.
[ ٧٣ ]
الثاني: من أدرك الإمام يوم الجمعة في أي جزء من صلاته صلى مَعَهُ ما أدرك وأكمل الجمعة فإنه أدركها، حَتَّى وإن أدركه في التشهد أَوْ سجود السهو (١). وإليه ذهب أبو حَنِيْفَة وأبو (٢) يوسف (٣) القاضي (٤). واستدلوا: بأن صلاة الجمعة ركعتان بجماعة، ومن أدرك الإمام قَبْلَ سلامه فَقَدْ أدرك الجماعة، غاية ما هناك أنه مسبوق، والمسبوق يصلي مع الإمام ما أدرك ثُمَّ يتم ما فاته، وما فاته هنا ركعتان لا أربع، فلا يجب عَلَيْهِ أن يصلي أكثر مِمَّا أحرم ناويًا صلاته (٥).
الثالث: ذهب أكثر أهل العلم وجمهور الفقهاء إلى أن من أدرك الركعة الثانية مع الإمام فَقَدْ أدرك الجمعة، وعليه أن يأتي بركعة أخرى بَعْدَ فراغ الإمام، فإن لَمْ يدرك مِنْهَا ركعة، وذلك بأن أدرك الإمام بَعْدَ أن رفع رأسه من ركوع الركعة الثانية، فإنه يأتي بَعْدَ فراغ الإمام بأربع ركعات ظهرًا؛ لأنَّهُ لَمْ يدرك الجمعة أصلًا (٦). وهذا القَوْل مروي عن: ابن مسعود (٧)، وابن عمر (٨)، وأنس (٩)، وسعيد (١٠) بن
_________________
(١) تبيين الحقائق ١/ ٢٢٢، وحلية العلماء ٢/ ٢٧٣.
(٢) الاستذكار ٢/ ٣٣، واللباب ١/ ١١٤، وحلية العلماء ٢/ ٢٧٥، وشرح فتح القدير ١/ ٤١٩.
(٣) هُوَ الإمام أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي قاضي القضاة، ولد سنة (١١٣هـ)، وتوفي سنة (١٨٢ هـ)، وَهُوَ أجل أصحاب أبي حَنِيْفَة. وفيات الأعيان ٦/ ٣٧٨، والعبر ١/ ٢٨٤ - ٢٨٥، وسير أعلام النبلاء ٨/ ٥٣٥.
(٤) تبيين الحقائق ١/ ٢٢٢، واللباب ١/ ١١٤.
(٥) مسائل من الفقه المقارن: ١٣٧.
(٦) المغني ٢/ ٣١٢، والمجموع ٤/ ٥٥٨، ومغني المحتاج ١/ ٢٩٩.
(٧) هُوَ الصَّحَابِيّ الجليل البحر عَبْد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب، الهذلي أبو عَبْد الرحمان المكي المعروف بابن أم عَبْد من السابقين الأولين للإسلام، توفي سنة (٣٢ هـ). معجم الصَّحَابَة ٨/ ٢٨٧١، وأسد الغابة ٣/ ٣٥٦، وسير أعلام النبلاء ١/ ٤٦١ و٤٦٢. والرواية عَنْهُ في: الحاوي الكبير ٣/ ٥٠، والاستذكار ٢/ ٣٣، والمغني ٢/ ١٥٨، والمجموع ٤/ ٥٥٨.
(٨) الحاوي الكبير ٣/ ٥٠، والاستذكار ٢/ ٣٣، والمغني ٢/ ١٥٨، والمجموع ٤/ ٥٥٨.
(٩) هو خادم رسول الله - ﷺ -، وآخر أصحابه موتًا، أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر الأنصاري النجاري المدني، ولد قَبْلَ الهجرة بعشر سنين، وتوفي سنة (٩٣ هـ)، وَقِيْلَ: (٩٢ هـ). معجم الصَّحَابَة ١/ ٢٤٠، والاستيعاب ١/ ٧١ - ٧٢، وسير أعلام النبلاء ٣/ ٣٩٥. والرواية عَنْهُ في: الحاوي الكبير ٣/ ٥٠، والاستذكار ٢/ ٣٣، والمغني ٢/ ١٥٨، والمجموع ٤/ ٥٥٨.
(١٠) هُوَ الإمام الثبت أبو مُحَمَّد سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي، ولد لسنتين مضت من خلافة عمر بن الخطاب، وتوفي سنة (٩٤ هـ) عَلَى الأصح، واتفقوا عَلَى أن مرسلاته أصح المراسيل. سير أعلام النبلاء ٤/ ٢١٧، وتذكرة الحفاظ ١/ ٥٤، وتقريب التهذيب (٢٣٩٦). وانظر دراسة =
[ ٧٤ ]
المسيب (١)، والأسود (٢) بن يزيد (٣)، والحسن (٤) البصري (٥)، وعروة (٦)، والنخعي- في إحدى الروايتين عَنْهُ (٧) -، والزهري (٨)، ومالك (٩)، والأوزاعي (١٠)، والثوري (١١)، وإسحاق (١٢)، وأبي ثور (١٣)، وأحمد (١٤)، وزفر (١٥)
_________________
(١) = شَيْخنَا العلامة الدكتور هاشم جميل١/ ١٣وما بعدها لفقه الإمام سعيد، فَقَدْ أجاد وأفاد ودلل عَلَى علم جم.
(٢) الاستذكار ٢/ ٣٣، والمغني ٢/ ١٥٨، والمجموع ٤/ ٥٥٨. وانظر: فقه الإمام سعيد بن المسيب ٢/ ١٩٠.
(٣) هُوَ الإمام القدوة أبو عمرو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وَهُوَ من المخضرمين، أدرك الجاهلية والإسلام، وَهُوَ من كبار التَّابِعِيْنَ، توفي سنة (٧٥ هـ). سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٠ و٥٣، والبداية والنهاية ٩/ ١١، وتقريب التهذيب (٥٠٩).
(٤) المغني ٢/ ١٥٨، والمجموع ٤/ ٥٥٨.
(٥) الحسن بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه: يسار: ثقة، فقيه، فاضل، مشهور، وَكَانَ يرسل كثيرًا ويدلس، مات سنة (١١٠هـ). تهذيب الكمال ٢/ ١١٤ (١٢٠٠)، وتذكرة الحفاظ ١/ ٧١،والتقريب (١٢٢٧).
(٦) المغني ٢/ ١٥٨، والمجموع ٤/ ٥٥٨.
(٧) عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، المدني، أَبُو عَبْد الله، الإمام الجليل، عالم الْمَدِيْنَة، وأحد الفقهاء السبعة، ولد سنة (٢٣ هـ)، وَقِيْلَ (٢٩)، توفي سنة (٩٤ هـ) عَلَى الصَّحِيْح. طبقات ابن سعد ٥/ ١٨٢، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٤٢١، والتقريب (٤٥٦١). والرواية عَنْهُ في: المغني ٢/ ١٥٨، والمجموع ٤/ ٥٥٨.
(٨) المغني ٢/ ١٥٨، والمجموع ٤/ ٥٥٨.
(٩) المصادر السابقة. وانظر: الحاوي الكبير ٣/ ٥٠.
(١٠) المدونة الكبرى ١/ ١٤٧، والاستذكار ٢/ ٣٣، والمغني ٢/ ١٥٨، والمجموع ٤/ ٥٥٨.
(١١) الاستذكار ٢/ ٣٣، والمجموع ٤/ ٥٥٨.
(١٢) الحاوي الكبير ٣/ ٥٠، والاستذكار ٢/ ٣٣، والمغني ٢/ ١٥٨، والمجموع ٤/ ٥٥٨.
(١٣) الاستذكار ٢/ ٣٣، والمغني ٢/ ١٥٨، والمجموع ٤/ ٥٥٨.
(١٤) إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي، أَبُو ثور، ويكنى أَيْضًا أبا عَبْد الله، وَكَانَ إمامًا فقيهًا، وثقةً مأمونًا، صاحب الشَّافِعِيّ، ولد سنة (١٧٠ هـ)، ومات سنة (٢٤٠ هـ). تاريخ بغداد ٦/ ٥٦، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٧٢، والتقريب (٧٢). وانظر: الاستذكار ٢/ ٣٣، والمغني ٢/ ١٥٨، والمجموع ٤/ ٥٥٨.
(١٥) مختصر الخرقي: ٣٥، ودليل الطالب: ٥٣. وانظر: الحاوي الكبير ٣/ ٥٠، والاستذكار ٢/ ٣٣، والمجموع ٤/ ٥٥٨.
(١٦) هُوَ الإمام الفقيه أبو الهذيل زفر بن الهذيل بن قيس بن سلم العنبري: صدوق، ولد سنة (١١٠هـ)، وتوفي سنة (١٥٨ هـ). سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٨ و٣٩، وميزان الاعتدال (٢٨٦٧)، وشذرات الذهب١/ ٢٤٣.
[ ٧٥ ]
بن الهذيل (١)، ومحمد بن الحسن (٢). قَالَ أحمد: «إذا فاته الركوع صلى أربعًا، وإذا ترك ركعة صلى إِلَيْهَا أخرى» (٣). واستدلوا عَلَى هَذَا بما ورد في بعض طرق هَذَا الْحَدِيْث: «من صلاة الجمعة»، وَقَدْ تبين عدم صحة هَذِهِ الزيادة فِيْمَا مضى، عَلَى أن لَهُمْ أدلة تفصيلية أخرى سوى هَذَا ترجّح ما ذهبوا إِلَيْهِ.