اختلف الفُقَهَاء في مَوْضِع سجود السهو؛ فذهب أكثر العُلَمَاء إِلَى تصحيح الرِّوَايَة الموصولة، وأخذوا بالحَدِيْث السابق، وقالوا: إن السجود كله قَبْلَ السلام، وَهُوَ قَوْل أكثر الفُقَهَاء، وإليه ذهب الشَّافِعيّ (٧)، وأحمد في رِوَايَة (٨).
وحَدِيث أبي سعيد نَص صريح عَلَى أن السجود في الزيادة قَبْلَ السلام. واحتجوا لِذلِكَ أيضًا بما رَواهُ عبدالله بن بحينة (٩)؛ قَالَ: «صلى لَنَا رَسُوْل الله - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ من بَعْض الصلوات. ثُمَّ قام فَلَمْ يجلس. فقام الناس مَعَهُ فَلَمَّا قضى صلاته، ونظرنا تسليمه كبر
_________________
(١) هُوَ يعقوب بن عَبْد الرحمان بن مُحَمَّد بن عَبْد الله بن عَبْد القاري المدني، توفي سنة (١٨١ هـ). الثقات ٧/ ٦٤٤، والأنساب ٤/ ٤٠٧، وتهذيب الكمال ٨/ ١٧٤ (٧٦٩٠).
(٢) عِنْدَ أبي دَاوُد (١٠٢٧).
(٣) عَلَى أن ابن عَبْد البر ذكر في التمهيد ٥/ ١٨ - ١٩ آخرين رووه مرسلًا، لَمْ أقف عَلَى رواياتهم.
(٤) التمهيد ٥/ ١٩.
(٥) التمهيد ٥/ ٢٥.
(٦) ١١/ ٢٦٠ - ٢٦٣ س (٢٢٧٤).
(٧) انظر: الأم ١/ ١٣٠، والحاوي ٢/ ٢٧٧، والمهذب ١/ ٩٩، وروضة الطالبين ١/ ٣١٥.
(٨) انظر: المغني ١/ ٦٧٤، والمحرر ١/ ٨٥، وتنقيح التحقيق ١/ ٤٦٧، وشرح الزَّرْكَشِيّ ١/ ٣٦٢.
(٩) هُوَ أَبُو مُحَمَّد الأزدي عَبْد الله بن مالك بن القشب بن بحينة، وبحينة اسم أمه، توفي آخر أيام معاوية. أسد الغابة ٣/ ٢٥٠، وتجريد أسماء الصَّحَابَة ١/ ٣٣٢، والإصابة ٢/ ٣٦٤.
[ ٢٣٨ ]
فسجد سجدتين، وَهُوَ جالس قَبْلَ التسليم ثُمَّ سلم (١»). وهذا صريح في أنَّ السجود من النقص يَكُون قَبْلَ السلام
وخالف في ذَلِكَ بَعْض الفُقَهَاء، فذهبوا إلى أن سجود السهو كله بَعْدَ السلام، روي هَذَا عن بَعْض السلف، وإليه ذهب أَبُو حَنِيْفَة (٢).
والحجة لَهُمْ
١ - ما صح عن زياد بن علاقة، قَالَ: «صلى بنا المغيرة بن شُعْبَة؛ فنهض في الرَّكْعَتَيْنِ؛ فسبح بِهِ من خلفه؛ فأشار إليهم: قوموا؛ فلما فرغ من صلاته، وسلم، ثُمَّ سجد سجدتين للسهو؛ فلما انصرف، قَالَ: رأيت رسول الله - ﷺ - يصنع كَمَا صنعت» (٣).
وهذا الحَدِيْث صححه الإمام التِّرْمِذِي (٤) وَقَالَ: «والعَمَل عَلَى هَذَا عِنْدَ أهل العِلْم» ثُمَّ قَالَ: «ومن رأى قَبْلَ التسليم فحديثه أصح (٥»).
٢ - مَا صَحَّ عن أَبِي هُرَيْرَة: «أن النَّبيّ - ﷺ - انصرف من اثنتين فَقَالَ ذو اليدين (٦): أقصرت
_________________
(١) أخرجه مَالِك (١٣٩١) برواية مُحَمَّد بن الحَسَن الشيباني، (٨١) برواية عَبْد الرحمان بن القاسم، (١٥٣) برواية سويد بن سعيد، (٤٨٠) و(٤٨١) برواية أبي مصعب الزُّهْرِيّ، (٢٥٦) و(٢٥٧) برواية الليثي)، وعبد الرزاق (٣٤٤٩) و(٣٤٥٠) و(٣٤٥١) والحميدي (٩٠٣) و(٩٠٤)، وابن أبي شَيْبَة (٤٤٤٨) و(٤٤٩٤)، وأحمد ٥/ ٣٤٥ و٣٤٦، والدارمي (١٥٠٧) و(١٥٠٨)، والبخاري ١/ ٢١٠ (٨٢٩) و(٨٣٠) و٢/ ٨٥ (١٢٢٤) و(١٢٢٥) و٢/ ٨٧ (١٢٣٠) و٨/ ١٧٠ (٦٦٧٠)، وَمُسْلِم ٢/ ٨٣ (٥٧٠) (٨٥) و(٨٦) و(٨٧)، وأبو داود (١٠٣٤) و(١٠٣٥)، وابن ماجه (١٢٠٦) و(١٢٠٧)، والترمذي (٣٩١)، وَالنَّسَائِيّ ٢/ ٢٤٤ و٣/ ١٩ و٢٠ و٣٤ وَفِي الكبرى، لَهُ (٥٩٦) و(٥٩٧) و(٥٩٨) و(٥٩٩) و(٦٠٠) و(٦٠١) و(٦٠٣) و(٦٠٤) و(٧٦٥) و(٧٦٦) و(١١٤٥) و(١١٤٦) و(١١٨٤)، وأبو يعلى (٢٦٣٩)، وابن خزيمة (١٠٢٩) و(١٠٣٠) و(١٠٣١)، وأبو عوانة ٢/ ٢١١ - ٢١٢، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٣٨، وابن حبان (٢٦٧٢) و(٢٦٧٣) و(٢٦٧٤) و(٢٦٧٥) و(٢٦٧٦) وَفِي ط الرسالة (٢٦٧٦) و(٢٦٧٧) و(٢٦٧٨) و(٢٦٧٩) و(٢٦٨٠)، والطبراني في الأوسط (١٦٢١) و(٧٤٨٢)، والدَّارَقُطْنِيّ ١/ ٣٧٧، والحَاكِم ١/ ٣٢٢، وابن حزم في المحلى ٤/ ١٧٢، والبَيْهَقِيّ ٢/ ٣٣٤ و٣٤٠ و٣٤٤، والبغوي (٧٥٧) و(٧٥٨).
(٢) الحجة عَلَى أهل المدينة ١/ ٢٢٣، والمبسوط ٢/ ١١٢، وبدائع الصنائع ١/ ١٧٢، والهداية ١/ ٥١، والاختيار ١/ ٧٢ وشرح فتح القدير ١/ ٣٥٥.
(٣) أخرجه الطَيَالِسِيّ (٦٩٥)، وأحمد ٤/ ٢٤٧ و٢٤٨ و٢٥٣ و٢٥٤، والدارمي (١٥٠٩)، وأبو دَاوُد (١٠٣٧)، والتِّرْمِذِي (٣٦٤) و(٣٦٥)، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٣٩.
(٤) جامع التِّرْمِذِي ١/ ٣٩٢ عقب (٣٦٥).
(٥) جامع التِّرْمِذِي ١/ ٣٩١ عقب (٣٦٤).
(٦) هُوَ الصَّحَابِيّ الخرباق بن عَمْرو - ﵁ - من بني سليم. تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٨٥، وتجريد أسماء الصَّحَابَة ١/ ١٧٠، والإصابة ١/ ٤٨٩.
[ ٢٣٩ ]
الصَّلاَة، أم نسيت يا رَسُوْل الله؟ فَقَالَ رَسُوْل الله - ﷺ -: أصدق ذو اليدين؟ فَقَالَ الناس: نعم، فقام رَسُوْل الله - ﷺ - فصلى اثنتين أخريين، ثُمَّ سلم، ثُمَّ كبر فسجد الحَدِيْث» (١).
وهذا دليل عَلَى أن السجود من الزيادة يَكُون بَعْدَ السلام؛ لأن النَّبيّ - ﷺ - تكلم. وَفِي رِوَايَة مُسْلِم: «أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَة والسلام قام فدخل المنْزل»، والمشي والكلام زيادة (٢).
٣ - مَا روي عن ثوبان، عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «لكل سهوٍ سجدتان بَعْدَ السلام» (٣).
وهذا الحَدِيْث ضعفه البَيْهَقِيّ (٤). وأجيب: بأن إسماعيل إذا حدّث عن أهل بلده فروايته عَنْهُمْ صَحِيْحَة، وهذا مِنْها (٥). إلا أن علة الحَدِيْث زُهَيْر بن سالم العنسي (٦) قَالَ عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيّ: «حمصي منكر لَمْ يَسْمَع من ثوبان» (٧).
_________________
(١) أخرجه مَالِك (١٢٨) و(١٥٦) برواية عَبْد الرحمان بن القاسم، (١٤٩) برواية سويد بن سعيد، (٤٧٠) و(٤٧١) برواية أَبِي مصعب الزُّهْرِيّ، (٢٤٧) و(٢٤٨) برواية الليثي، وعبد الرزاق (٣٤٤١) و(٣٤٤٢) و(٣٤٤٧) و(٣٤٤٨) و(٣٤٦٥)، والحميدي (٩٨٣) و(٩٨٤)، وأحمد ٢/ ٢٣٤ و٢٤٧ و٢٧١ و٢٨٤ و٣٨٦ و٤٢٠ و٤٢٣ و٤٤٧ و٤٥٩ و٤٦٨ و٥٣٢، والدارمي (١٥٠٤) و(١٥٠٥)، والبُخَارِيّ ١/ ١٢٩ (٤٨٢) و١/ ١٨٣ (٧١٤) و٢/ ٨٦ (١٢٢٨) و(١٢٢٩) و٨/ ٢٠ (٦٠٥١) و٩/ ١٠٨ (٧٢٥٠)، وَمُسْلِم ٢/ ٨٦ (٥٧٣) (٩٧) و(٩٨)، وأبو دَاوُد (١٠٠٨) و(١٠٠٩) و(١٠١٠) و(١٠١١) و(١٠١٢) و(١٠١٣) و(١٠١٤)، وابن ماجه (١٢١٤)، والتِّرْمِذِي (٣٩٤) و(٣٩٩)، والنَّسَائِيّ (٣/ ٢٠و٢٢و ٢٤ و٢٥ و٢٦ وَفِي الكبرى لَهُ (٥٧٢) و(٥٧٣) و(٥٧٤) و(١١٤٧) و(١١٤٨) و(١١٥٧) و(١١٥٨)، وابن الجارود (٢٤٣)، وابن خزيمة (٨٦٠) و(١٠٣٥) و(١٠٣٦) و(١٠٣٧) و(١٠٣٨) و(١٠٤٠) و(١٠٤٢) و(١٠٤٣) و(١٠٤٤) و(١٠٤٥) و(١٠٥١)، وأبو عوانة ٢/ ١٩٥، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٣٩ و٤٤٤ و٤٤٥، وابن حبان (٢٢٤٩) و(٢٢٥١) و(٢٢٥٢) و(٢٢٥٣) و(٢٢٥٤) و(٢٢٥٥) و(٢٢٥٦)، والبيهقي ٢/ ٣٣٥ و٣٤٦ و٣٥٣ و٣٥٤ و٣٥٦ و٣٥٨ - ٣٥٩، وابن عَبْد البر في التمهيد ٢/ ٣١١، والبَغَوِيّ (٧٥٩).
(٢) فقه الإمام سعيد ١/ ٢٦٢.
(٣) أخرجه الطَيَالِسِيّ (٩٩٧)، وعبدالرزاق (٣٥٣٣)، وابن أبي شَيْبَة (٤٤٨٣)، وأحمد ٥/ ٢٨٠، وأبو دَاوُد (١٠٣٨)، وابن ماجه (١٢١٩)، والطبراني في الكبير (١٤١٢)، والبيهقي ٢/ ٣٣٧، والمزي في تهذيب الكمال ٣/ ٣٥ في ترجمة (زُهَيْر بن سالم العنسي).
(٤) السُّنَن الكبرى ٢/ ٣٣٧.
(٥) فقه الإمام سعيد ١/ ٢٦٢.
(٦) أبو المخارق الشامي زهير بن سالم العنسي: صدوق وَكَانَ يرسل. تهذيب الكمال ٣/ ٣٥ (١٩٩٦)، وميزان الاعتدال ٢/ ٨٣، والتقريب (٢٠٤٣).
(٧) ميزان الاعتدال ٢/ ٨٣.
[ ٢٤٠ ]
وذهب بَعْض الفُقَهَاء إِلَى: أن السجود إذا كَانَ عن نقص في الصَّلاَة فمحله قَبْلَ السلام، وإذا كَانَ زيادة فمحله بَعْدَ السلام، وَهُوَ مَذْهَب مَالِك (١) وأحد قَوْلي الشَّافِعيّ (٢)، وإحدى الرِّوَايَتَيْنِ عن الإمام أحمد (٣).
والحجة لَهُمْ: حَدِيث عَبْد الله بن بحينة السابق؛ فإنّ النَّبيّ - ﷺ - سجد لتركه التشهد الأول سجدتين قَبْلَ السلام؛ وهذا من نقصٍ في الصَّلاَة؛ فحملوا عَلَيْهِ كُلّ نقص، وجعلوا السجود لأجله قَبْلَ السلام.
واستدلوا بحديث ذي اليدين؛ فإن النَّبيّ - ﷺ - سجد بَعْدَ السلام، لما حصل في الصَّلاَة من زيادة الكلام والمشي؛ فحملوا عَلَيْهِ كُلّ زيادة وجعلوا السجود لأجلها بَعْدَ السلام (٤).
وذهب بعضهم إِلَى: أن السجود كله قَبْلَ السلام إلا في موضعين، فيكون بَعْدَ السلام، وهما: إذا سلم من نقص في صلاته، أو تحرى الإمام فبنى عَلَى غالب ظنه.
وبذلك قَالَ أبو خيثمة، وسليمان بن دَاوُد، وَهُوَ رِوَايَة عن الإمام أحمد (٥)، واختاره بَعْض الشافعية (٦)، وَهُوَ مَذْهَب الظاهرية (٧). والحجة لَهُمْ: أن السجود إنما شرع لجبر خلل وقع في الصَّلاَة؛ فالمعقول أن يَكُون محله قَبْلَ السلام، ويستثنى من ذَلِكَ مَا ورد النص بأنه يَكُون بَعْدَ السلام، وَقَدْ ورد ذَلِكَ في النقص، وَهُوَ حَدِيث عبدالله بن بحينة. وفيما إذا تحرى الشاك فبنى عَلَى غالب ظنه؛ وَذَلِكَ لما صَحَّ عن ابن مَسْعُود - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ -: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصَّوَاب، وليتم عليه ثُمَّ ليسلم ثُمَّ يسجد سجدتين» (٨).
_________________
(١) المدونة الكبرى ١/ ١٣٤، والمنتقى ١/ ١٨٣.
(٢) المجموع ٤/ ١٥٥.
(٣) المغني ١/ ٦٧٤، وشرح الزَّرْكَشِيّ ١/ ٣٦١ - ٣٦٢. وانظر: حلية العُلَمَاء ٢/ ١٧٨ - ١٧٩، وبداية المجتهد ١/ ١٣٩.
(٤) فقه الإمام سعيد ١/ ٢٦٢.
(٥) المغني ١/ ٦٧٤.
(٦) المهذب ١/ ٩٩، وحاشية الجمل عَلَى شرح المنهج ١/ ٤٦٥.
(٧) المحلى ٤/ ١٧١.
(٨) أخرجه الطَيَالِسِيّ (٢٧١)، وأحمد ١/ ٣٧٦ و٣٧٩ و٤١٩ و٤٢٤ و٤٣٨ و٤٤٣ و٤٥٥ و٤٦٥، والدارمي (١٥٠٦)، والبُخَارِيّ ١/ ١١٠ (٤٠١) و١/ ١١١ (٤٠٤) و٨/ ١٧٠ (٦٦٧١) و٩/ ١٠٨ (٧٢٤٩)، ومسلم ٢/ ٨٤ (٥٧٢) (٨٩) و(٩٠) و٢/ ٨٥ (٥٧٢) (٩٠) و(٩١) و(٩٤) و٢/ ٨٦ (٥٧٢) (٩٥)، وأبو دَاوُد (١٠١٩) و(١٠٢٠) و(١٠٢١) و(١٠٢٢)، وابن ماجه (١٢٠٣) و(١٢٠٥) و(١٢١١) و(١٢١٢) و(١٢١٨)، والتِّرْمِذِي (٣٩٢)،والنَّسَائِيّ ٣/ ٢٨و٢٩و٣١و٣٢ وفي الكبرى =
[ ٢٤١ ]