الخطأ والوهم أمران حاصلان وواقعان في أحاديث الثقات فضلًا عَنْ وقوعه في أحاديث الضعفاء، ونحن وإن نذكر في حد الصَّحِيْح كون راويه تام الضبط إلا أن ذَلِكَ أمر نسبيٌّ (٥)، وإلا فكيف اشترطنا في الصَّحِيْح (٦) أن لا يَكُوْن شاذًا ولا معللًا مع كون راويه ثقة فيتخرج عَلَى هَذَا أن الوهم والخطأ يدخل في أحاديث الثقات؛ لأن كلًا من
_________________
(١) = الأصح، وتوفي بمصر سنة (٢٠٤ هـ). مرآة الجنان ٢/ ١١ و١٢، ووفيات الأعيان ٤/ ١٦٣ و١٦٥.
(٢) ديوان الشَّافِعِيّ: ١٦٤.
(٣) كَمَا حصل لسفيان بن وكيع. انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ١٧٣ (٣٣٣٤).
(٤) يحيى بن معين بن عون الغطفاني، مولاهم، أبو زكريا البغدادي، ثقة حافظ مشهور إمام الجرح والتعديل، لَهُ: " التاريخ " و" السؤالات " وغيرهما، ولد سنة (١٥٨ هـ) وتوفي سنة (٢٣٣ هـ). تهذيب الكمال ٨/ ٨٩ و٩٥ (٧٥٢١)، وميزان الاعتدال ٤/ ٤١٠، والتقريب (٧٦٥١).
(٥) تاريخ ابن معين (رِوَايَة الدوري) ٣/ ١٣ (٥٢).
(٦) انظر: مقدمة شرح علل الترمذي، لابن رجب: ٧.
(٧) هُوَ الَّذِيْ يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عَنْ العدل الضابط إلى منتهاه ولا يَكُوْن شاذًا ولا معللًا. مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث طبعة نور الدين: ١٠، وفي طبعتنا:٧٩.
[ ١٥ ]
الشذوذ والعلة داخل بمعنى الوهم والخطأ. ثُمَّ إن الوهم والخطأ من الأسباب الرئيسة للاختلاف بَيْنَ الأحاديث. وبالسبر والنظر إلى كتب السنة النبوية نجد عددًا كبيرًا من الرُّوَاة الثقات قَدْ أخطؤوا في بعض ما رووا، وَهُوَ أمر متفاوت بَيْنَ الرُّوَاة حسب مروياتهم قلة وكثرة وربما كَانَ حظ من أكثر من الرِّوَايَة أكبر خطأً من المقلين؛ لذا نجد غلطات عُدَّتْ عَلَى الأئمة العلماء الحفاظ لكنها لَمْ تؤثر عليهم في سعة ما رووه (١)، قَالَ الإمام أحمد بن حَنْبَل (٢): «ومن يعرى من الخطأ والتصحيف» (٣). وَقَالَ الإمام مُسْلِم بن الحجاج: «فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا - وإن كَانَ من أحفظ الناس وأشدهم توقيًا وإتقانًا لما يحفظ وينقل - إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله» (٤).
وَقَالَ الإمام الترمذي (٥): «لَمْ يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم» (٦)، ثُمَّ ساق الترمذي عددًا وافرًا من الروايات تدلل عَلَى تفاوت أهل العلم بالحفظ وتفاضلهم بالضبط وقلة الخطأ، ثُمَّ قَالَ: «والكلام في هَذَا والرواية عَنْ أهل العلم تكثر، وإنما بيّنا شيئًا مِنْهُ عَلَى الاختصار ليُستدل بِهِ عَلَى منازل أهل العلم وتفاضل بعضهم عَلَى بعض في الحفظ والإتقان، ومن تُكلمَ فِيْهِ من أهل العلم لأي شيء تُكلمَ
فِيْهِ» (٧).
ولما كَانَ الخطأ في الرِّوَايَة أمرٌ بدهيٌّ، وأنه لا يسلم إنسان مِنْهُ نجد الأكابر قَدْ
_________________
(١) وهكذا فإنا نجد أن الإمام علي بن المديني قَدْ خرّج علل حَدِيْث سفيان بن عيينة في ثلاثة عشر جزءًا. مع أن سفيان بن عيينة من أساطين هَذَا الفن وجهابذته وفحوله؛ لَكِنْ هَذَا الكم الكبير لَمْ يؤثر عَلَيْهِ لسعة ما رَوَى فهو كحبة القمح من البيدر. وانظر: مَعْرِفَة علوم الْحَدِيْث، للحاكم: ٧١.
(٢) هُوَ أحمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل بن هلال بن أسد الشيباني المروزي ثُمَّ البغدادي، أبو عَبْد الله، أحد الأعلام، صاحب المذهب، لَهُ: " المسند " و" الزهد " و" العلل " وغيرها، ولد سنة (١٦٤ هـ)، وتوفي سنة (٢٤١ هـ). حلية الأولياء ٩/ ١٦١ و١٦٢، وطبقات الحنابلة ١/ ١٠، والعبر ١/ ٤٣٥.
(٣) مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث، لابن الصَّلاَحِ:: ٢٥٢ طبعة نور الدين، و٤٤٨ طبعتنا.
(٤) التمييز: ١٢٤.
(٥) هُوَ مُحَمَّد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك التِّرْمِذِيّ، أبو عيسى الضرير الحافظ، صاحب " الجامع " وغيره من المصنفات، وَهُوَ تلميذ البخاري، وشاركه في بعض شيوخه، توفي سنة (٢٧٩ هـ). تهذيب الكمال ٦/ ٤٦٨ و٤٦٩ (٦١٢٢)، ومرآة الجنان ٢/ ١٤٤، والتقريب (٦٢٠٦).
(٦) علل الترمذي الصغير ٦/ ٢٤٠ آخر الجامع.
(٧) علل الترمذي الصغير ٦/ ٢٤٤ آخر الجامع.
[ ١٦ ]
وهمّوا الأكابر، فهذه أم المؤمنين عائشة ﵂ قَدْ وهّمت عددًا من الصَّحَابَة في عدد من الأحاديث، وَقَدْ جمع ذَلِكَ الزركشي (١) في جزءٍ (٢)، لذا قَالَ الإمام عَبْد الله بن المبارك (٣): «ومن يسلم من الوهم، وَقَدْ وهّمت عائشة جَمَاعَة من الصَّحَابَة في رواياتهم للحديث» (٤).
وفيما نقلنا عَنْ الأئمة الأعلام كفاية ودليل عَلَى أن دخول الخطأ والوهم أمرٌ نسبيٌّ ممكن في أحاديث الرُّوَاة ثقاتً كانوا أو غَيْر ذَلِكَ، فالخطأ والوهم والنسيان سجية البشر، وَقَدْ قَالَ الشاعر:
نَسِيتُ وَعْدَكَ والنِّسْيَانُ مُغْتَفَرٌ فَاغْفِرْ فَأوَّلُ نَاسٍ أوَّلُ النَّاسِ (٥)