وَهُوَ ما يقع من الْمُحَدِّثِيْنَ من التعبير بالتحديث أَوْ الإخبار عَنْ الإجازة موهمًا للسماع، وَلَمْ يَكُنْ تحمله لِذَلِكَ المروي عَنْ طريق السَّمَاع (٦).
وهذه الأنواع السبعة ليست كلها مشتهرة إنما المشتهر مِنْهَا والشائع الأول والثاني وعند الإطلاق يراد الأول. وهذا القسم هُوَ الَّذِيْ لَهُ دورٌ في الاختلافات الحديثية متونًا وأسانيد، إِذْ قَدْ يكشف خلال البحث بَعْدَ التنقير والتفتيش عَنْ سقوط رجل من الإسناد وربما كَانَ هَذَا الساقط ضعيفًا أَوْ في حفظه شيءٌ، أو لَمْ يضبط حديثه هَذَا.
ومن الأمثلة عَلَى ذَلِكَ ما رَوَاهُ ابن حبان (٧) من طريق ابن جريج (٨)،
_________________
(١) تعريف أهل التقديس: ١٦، وفتح المغيث ١/ ٢٠٢، وألفية السيوطي: ٣٣، وتدريب الرَّاوِي ١/ ٢٢٦، وظفر الأماني: ٣٧٩، والباعث الحثيث: ٥٥ - ٥٦.
(٢) هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، يكنى أبا المنذر: ثقة فقيه ربما دلس، توفي سنة (١٤٦ هـ). انظر: طبقات خليفة: ٢٦٧، وتهذيب الكمال ٧/ ٤٠٩ - ٤١١ (٧١٨٠)، والتقريب (٧٣٠٢).
(٣) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو مُحَمَّد الكوفي الأعمش: ثقة حافظ لكنه يدلس، قَالَ الذهبي: ما نقموا عَلَيْهِ إلا التدليس، ولد سنة (٦١ هـ)، وتوفي سنة (١٤٧ هـ) أَوْ (١٤٨ هـ). انظر: تهذيب الكمال ٣/ ٣٠٠ - ٣٠٣ (٢٥٥٥)، وميزان الاعتدال ٢/ ٢٢٤، والتقريب (٢٦١٥).
(٤) الباعث الحثيث: ٥٥ - ٥٦.
(٥) تعريف أهل التقديس: ١٦، وفتح المغيث ١/ ٢٠١ - ٢٠٢، وظفر الأماني ٣٧٩.
(٦) الباعث الحثيث: ٥٥ - ٥٦.
(٧) مُحَمَّد بن حبان بن أحمد البستي، أَبُو حاتم التميمي بن حبان، ولد سنة بضع وسبعين ومئتين وله مصنفات شهيرة مِنْهَا: " الثقات " و" الصَّحِيْح "، توفي سنة (٣٥٤ هـ). انظر: الأنساب ١/ ٣٦٣، وسير أعلام النبلاء ١٦/ ٩٢ - ١٠٤، وشذرات الذهب ٣/ ١٦.
(٨) عَبْد الملك بن عَبْد العزيز بن جريج، أبو خالد القرشي الأموي المكي صاحب التصانيف: ثقة =
[ ٣٣ ]
عَنْ
نافع (١)، عَنْ ابن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُوْل الله - ﷺ -: «لا تَبُلْ قائمًا» (٢).
وهذا الإسناد رجاله ثقات إلا أنَّ ابن جريج مدلسٌ (٣) وَقَدْ عنعن هنا وَلَمْ يصرح بسماعه من نافع، وَهُوَ قَدْ سَمِعَ من نافع أحاديث كثيرة، فهُوَ معروف بالرواية عَنْهُ، وروايته عَنْهُ في الكتب الستة (٤). ولكن النقاد ببصيرتهم الناقدة ونظرهم الثاقب كشفوا أنَّ في هَذَا السند واسطة بَيْنَ ابن جريج ونافع، وأن ابن جريج لَمْ يسمعه من نافع مباشرة، بَلْ سمعه من عَبْد الكريم بن أبي المخارق الضعيف (٥)، وَقَدْ صرّح ابن جريج في بعض طرق الْحَدِيْث بهذا الساقط، فبان تدليسه؛ فَقَدْ رَوَى عَبْد الرزاق (٦)، ومِنْ طريقه ابن ماجه (٧)، وأبو عوانة (٨)، وابن عدي (٩)، وتمام الرازي (١٠)،
_________________
(١) = فقيه فاضل وَكَانَ يدلس ويرسل، توفي سنة (١٥٠ هـ) أو بعدها. انظر: تاريخ بغداد ١٠/ ٤٠٠، وسير أعلام النبلاء ٦/ ٣٢٥، والتقريب (٤١٩٣).
(٢) هُوَ أَبُو عَبْد الله نافع المدني، مولى ابن عمر القرشي العدوي، ثقة ثبت فقيه، توفي سنة (١١٧ هـ). انظر: تهذيب الكمال ٧/ ٣١٣، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٩٥، والتقريب (٧٠٨٦).
(٣) صَحِيْح ابن حبان (١٤٢٠)، وطبعة الرسالة (١٤٢٣).
(٤) طبقات المدلسين: ٤١، ونقل فِيْهِ عَنْ الدَّارَقُطْنِيّ: «شر التدليس تدليس ابن جريج؛ فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فِيْمَا سمعه من مجروح».
(٥) تهذيب الكمال ٤/ ٥٦٠.
(٦) قَالَ عَبْد الله بن أحمد بن حَنْبَل: سألت أبي عَنْ عَبْد الكريم أبي أمية، فَقَالَ: بصريٌّ نزل مكة، وَكَانَ معلمًا، وَهُوَ ابن أبي المخارق، وَكَانَ ابن عيينة يستضعفه قلت لَهُ: ضعيف؟، قَالَ: نعم، وَقَالَ عباس الدوري، عَنْ يحيى بن معين: حَدَّثَنَا هشام بن يوسف، عَنْ معمر، قَالَ: قَالَ أيوب: لا تأخذوا عَنْ عَبْد الكريم أبي أمية، فإنه ليس بثقة. انظر: تهذيب الكمال ٤/ ٥٤٣.
(٧) مصنفه (١٥٩٢٤).
(٨) هُوَ مُحَمَّد بن يزيد الرَّبعي، مولاهم أبو عَبْد الله القزويني الحافظ، من مصنفاته: " السنن " و"التاريخ" و" التفسير "، ولد سنة (٢٠٩ هـ)، وتوفي سنة (٢٧٣ هـ) وَقِيْلَ سنة (٢٧٥ هـ). تهذيب الكمال ٦/ ٥٦٨ (٦٣٠٢)، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٧٧، وشذرات الذهب ٢/ ١٦٤. والحديث في سننه (٣٠٨).
(٩) في مسنده ٤/ ٢٥.
(١٠) هُوَ عَبْد الله بن عدي بن عَبْد الله الجرجاني، أبو أحمد الحافظ، صاحب كتاب " الكامل في الضعفاء "، ولد سنة (٢٧٧ هـ)، وتوفي سنة (٣٦٥ هـ). سير أعلام النبلاء ١٦/ ١٥٤، وتاريخ الإسلام: ٣٣٩ - ٣٤١ وفيات (٣٦٥هـ)، والرسالة المستطرفة: ١٤٥. والحديث في: الكامل ٧/ ٤٠.
(١١) هُوَ الإِمَام تمام بن مُحَمَّد بن عَبْد الله البجلي، أبو القاسم الرازي، صاحب كتاب " الفوائد "، ولد سنة (٣٣٠ هـ)، وتوفي سنة (٤١٤ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٨٩ - ٢٩٢، وتذكرة الحفاظ =
[ ٣٤ ]
والحاكم (١)، والبيهقي (٢)، عَنْ ابن جريج، عَنْ عَبْد الكريم بن أبي المخارق، عَنْ نافع، بِهِ.
ومن بدائه علم الْحَدِيْث أن حَدِيْث الثقة ليس كله صحيحًا (٣)، كَمَا أنّ حَدِيْث الضعيف ليس كله ضعيفًا (٤)، ومعرفة كلا النوعين من أحاديث الفريقين ليس بالأمر اليسير إنما يطلع عَلَى ذَلِكَ الأئمة النقاد الغواصون في أعماق ما يكمن في الروايات من صحة أو خطأ، لذا فتّش العلماء في حَدِيْث ابن أبي المخارق هل توبع عَلَيْهِ، أم أخطأ فِيْهِ؟ وخالف الثقات الأثبات أم انفرد؟ فنجدهُمْ قَدْ صرّحوا بخطأ ابن أبي المخارق لمخالفته الثقات الأثبات في ذَلِكَ، قَالَ البوصيري (٥) في مصباح الزجاجة - بَعْدَ أن ضعّف حَدِيْث ابن أبي المخارق -: «عارضه خبر عبيد الله بن عمر العمري (٦) الثقة المأمون المجمع عَلَى ثقته، ولا يُغتر بتصحيح ابن حِبّان هَذَا الخبر من طريق هشام بن يوسف (٧)، عَنْ ابن جريج عَنْ نافع، عَنْ ابن عمر. فإنه قَالَ بعده: أخاف أن
_________________
(١) / ١٠٥٦ و١٠٥٨، وشذرات الذهب ٣/ ٢٠٠. والحديث في: الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمام ١/ ٢٠٣ (١٤٨).
(٢) هُوَ مُحَمَّد بن عَبْد الله بن مُحَمَّد النيسابوري أبو عَبْد الله، ولد سنة (٣٢١ هـ)، وله تصانيف مِنْهَا: " المستدرك عَلَى الصحيحين " و" مَعْرِفَة علوم الْحَدِيْث "، توفي سنة (٤٠٥ هـ). انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٤٧٣، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ١٦٢ - ١٧٧، وشذرات الذهب ٣/ ١٧٦. والحديث في: المستدرك ١/ ١٥٨.
(٣) هُوَ أحمد بن الحسين بن علي الخراساني، أَبُو بكر، ولد سنة (٣٨٤ هـ)، وله عدة تصانيف مِنْهَا: " السنن الكبرى " و" شعب الإيمان "، توفي سنة (٤٥٨ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٦٣ - ١٧٠، والعبر ٣/ ٢٤٢، وشذرات الذهب ٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥. والحديث في السنن الكبرى ١/ ١٠٢.
(٤) لذا نجد في حَدِيْث الثقات الشذوذ والعلة، وكثير من مباحث هَذِهِ الرسالة شاهدة عَلَى ذَلِكَ.
(٥) لذا نجد كثيرًا من الأحاديث يتابعون عَلَيْهَا من طريق الثقات.
(٦) هُوَ أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري الشَّافِعِيّ، لَهُ كتاب " زوائد ابن ماجه عَلَى الكتب الخمسة " وغيره، ولد سنة (٧٦٢ هـ)، سكن القاهرة ولازم العراقي عَلَى كبر فسمع مِنْهُ الكثير، ولازم ابن حجر فكتب عَنْهُ " لسان الميزان " وغيره، توفي سنة (٨٤٠ هـ). طبقات الحفاظ: ٥٥١، وشذرات الذهب ٧/ ٢٣٣، والأعلام ١/ ١٠٤.
(٧) هُوَ عبيد الله بن عمر بن حفص القرشي العدوي العمري، أبو عثمان المدني ينتهي نسبه إِلَى عمر بن الخطاب، ثقة ثبت، توفي سنة بضع وأربعين ومئة. انظر: الثقات ٧/ ١٤٩، وتهذيب الكمال ٥/ ٥٤ ترجمة (٤٢٥٧)، والتقريب (٤٣٢٤).
(٨) هُوَ هشام بن يوسف الصنعاني، أبو عَبْد الرحمان الأبناوي، قاضي صنعاء: ثقة، توفي سنة (١٩٧ هـ). انظر: التاريخ الكبير ٨/ ١٩٤، وتهذيب الكمال ٧/ ٤١٧ ترجمة (٧١٨٧)، والتقريب (٧٣٠٩).
[ ٣٥ ]
يَكُوْن ابن جريج لَمْ يسمعه من نافع، وَقَدْ صحّ ظنُّه، فإنّ ابن جريج إمّا سمعه من ابن أبي المخارق كَمَا ثبت في رِوَايَة ابن ماجه هَذِهِ والحاكم في المستدرك واعتذر عَنْ تخريجه أنه إنّما أخرجه في المتابعات» (١).
وَقَالَ الترمذي: «إنما رفع هَذَا الْحَدِيْث عَبْد الكريم بن أبي المخارق، وَهُوَ ضعيف عِنْدَ أهل الْحَدِيْث، ضعّفه أيوب السختياني (٢) وتكلم فِيْهِ. وروى عبيد الله، عَنْ نافع عَنْ ابن عمر قَالَ: قَالَ عمر - ﵁ -: ما بلتُ قائِمًا منذُ أسلَمْتُ. وهذا أصح من حَدِيْث عَبْد الكريم» (٣).
أقول: رِوَايَة عبيد الله الموقوفة أخرجها ابن أبي شيبة (٤)، والبزار (٥) في مسنده (٦) من طريق عبيد الله بن عمر، عَنْ نافع، عَنْ ابن عمر، عَنْ عمر موقوفًا، وَهُوَ الصواب.
ومما يدل عَلَى عدم صحة حَدِيْث ابن أبي المخارق أن الحافظ ابن حجر قَالَ: «وَلَمْ يثبت عَنْ النَّبِيّ - ﷺ - في النهي عَنْه شيء» (٧).
بَعْدَ هَذَا العرض السريع بان لنا واتضح أن التدليس سبب من أسباب الاختلاف لدى الْمُحَدِّثِيْنَ؛ إِذْ إنه قَدْ يسفر عَنْ سقوط رجلٍ من الإسناد فيخالف الرَّاوِي غيره من الرُّوَاة.