رِوَايَة الْحَدِيْث بالمعنى
خلق الله الجنس البشري متفاوتًا في قدراته، وما وهبه لَهُ بمنّه وفضله، وَقَدْ أثّر هَذَا التفاوت عَلَى قدرات الناس في الحفظ، فإنّك تجد الحَافِظ الَّذِي لا يكاد يخطئ إلا قليلًا، وتجد الرَّاوِي الكثير الخطأ، ومن ثَمَّ تجد بَيْنَ الرُّوَاة مَنْ يؤدي لفظ الْحَدِيْث كَمَا سمعه، ومنهم مَنْ يحفظ المضمون ولا يتقيد باللفظ، وَهُوَ ما نسميه "الرِّوَايَة بالمعنى" وفي جواز أداء الْحَدِيْث بِهَا خلافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاء عَلَى اثني عشر قولًا (١):
الأول: التفرقة بَيْنَ الألفاظ الَّتِي لا مجال فِيْهَا للتأويل وبَيْنَ الألفاظ الَّتِي تحتمل التأويل، فجوزت الرِّوَايَة بالمعنى في الأول دُوْنَ الثاني. حكاه أبو الْحُسَيْن بن القطان (٢) عن بَعْض الشافعية، وَعَلَيْهِ جرى الكِيَا الطبري (٣) مِنْهُمْ (٤).
الثاني: جواز الرِّوَايَة بالمعنى في الأحاديث الَّتِي تشتمل عَلَى الأوامر والنواهي، وأما إذا كَانَ اللفظ خفي المعنى محتملًا لعدة معانٍ فَلاَ تجوز. ويستوي في هَذَا الحكم الصَّحَابِيّ وغيره (٥).
الثَّالث: المنع مطلقًا من الرِّوَايَة بالمعنى، وتعين أداء لفظ الْحَدِيْث. وبه قَالَ عَبْد الله بن عمر (٦)، وابن سيرين (٧)، وأبو بكر الرازي (٨) الجصّاص (٩)، وأبو إسحاق (١٠)
_________________
(١) انظرها في: الحاوي الكبير ٢٠/ ١٥٤، والبحر المحيط ٤/ ٣٥٦ - ٣٥٨، وتوجيه النظر ٢/ ٦٨٦.
(٢) هُوَ أبو الْحُسَيْن أحمد بن مُحَمَّد بن أحمد بن القطان البغدادي، لَهُ مصنفات في أصول الفقه، توفي سنة (٣٥٩ هـ). وفيات الأعيان ١/ ٧٠، وسير أعلام النبلاء ١٦/ ١٥٩، وشذرات الذهب ٣/ ٢٨.
(٣) هُوَ أَبُو الحسن عَلِيّ بن مُحَمَّد بن عَلِيّ الفقيه الشَّافِعِيّ المعروف بالكيا الطبري - بكسر الكاف وفتح المثناة من تَحْتَ مَعَ التخفيف -، توفي سنة (٥٠٤ هـ). طبقات الشافعية، للإسنوي ٢/ ٢٨٨، ومرآة الجنان ٣/ ١٣٣.
(٤) البحر المحيط ٤/ ٣٥٨.
(٥) الحاوي الكبير ٢٠/ ١٥٤.
(٦) قواطع الأدلة ١/ ٣٢٨. وانظر: الكفاية: (١٧١ هـ، ٢٦٥ ت)، وفواتح الرحموت ٢/ ١٦٧.
(٧) المحدّث الفاصل: ٥٣٤ - ٥٣٥ رقم (٦٩١)، والكفاية: (٣١١ ت، ٢٠٦ هـ).
(٨) هُوَ أبو بكر أحمد بن عَلِيّ الرازي الجصاص الحنفي الأصولي، صاحب التصانيف، مِنْهَا: " الفصول في الأصول " و" شرح الجامع الكبير "، ولد سنة (٣٠٥ هـ)، وتوفي سنة (٣٧٠ هـ). المنتظم ٧/ ١٠٥ - ١٠٦، والعبر ٢/ ٣٦٠، وسير أعلام النبلاء ١٦/ ٣٤٠ و٣٤١.
(٩) إلا أنَّهُ استثنى من هُوَ في درجة الحسن البصري والشعبي. الفصول في علم الأصول ٣/ ٢١١.
(١٠) هُوَ الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن مُحَمَّد بن إبراهيم بن مهران الإسفراييني الأصولي الشَّافِعِيّ الملقب بـ (ركن الدين) صاحب التصانيف، مِنْهَا: "جامع الخلي في أصول الدين والرد عَلَى =
[ ١٢٧ ]
الإسفراييني (١)، وبه قَالَ الظاهرية (٢)، وثعلب (٣) من النحويين (٤)، وَهُوَ الأشهر من مذهب مالك (٥).
الرابع: من يحفظ اللفظ والمعنى لا تجوز لَهُ الرِّوَايَة بالمعنى، ومن كَانَ يستحضر المعنى دُوْنَ اللفظ جازت روايته بالمعنى. وبه جزم الماورديُّ (٦)، فَقَالَ: «والذي أراه: أنَّهُ إن كَانَ يحفظ اللفظ لَمْ يَجُزْ أن يرويه بغير ألفاظه؛ لأن في كلام رَسُوْل الله - ﷺ - من الفصاحة ما لا يوجد في كلام غيره، وإن لَمْ يحفظ اللفظ جاز أن يورد معناه بغير لفظه؛ لأن الرَّاوِي قَدْ تحمّل أمرين: اللفظ والمعنى، فإن قدر عَلَيْهِمَا لزمه أداؤهما، وإن عجز عن اللفظ وقدر عَلَى المعنى لزمه أداؤه لئلاّ يَكُوْن مقصرًا في نقل ما تحمل» (٧).
الخامس: عكس المذهب الَّذِي قبله، فإن كَانَ يستحضر اللفظ جاز لَهُ الرِّوَايَة بالمعنى، وإن لَمْ يَكُنْ حافظًا للفظ لَمْ يَجُزْ لَهُ الاقتصار عَلَى المعنى، إذ لربما زاد فِيْهِ ما لَيْسَ مِنْهُ.
السادس: جواز الرِّوَايَة بالمعنى بشرط إبدال المترادفات ببعضها مَعَ الإبقاء عَلَى تركيب الكلام؛ خوفًا من دخول الخلل عِنْدَ تغيير التركيب (٨).
_________________
(١) = الملحدين"، توفي سنة (٤١٨ هـ). الأنساب ١/ ١٤٩، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٣٥٣ و٣٥٤، ومرآة الجنان ٣/ ٢٥.
(٢) البحر المحيط ٤/ ٣٥٨.
(٣) البحر المحيط ٤/ ٣٥٨.
(٤) المحدث، إمام النحو، أبو العباس، أحمد بن يَحْيَى بن يزيد الشيباني مولاهم البغدادي المَشْهُوْر بـ (ثعلب)، صاحب التصانيف مِنْهَا: "اختلاف النحويين" و"معاني القرآن"، ولد سنة (٢٠٠هـ)، وتوفي سنة (٢٩١هـ). العبر ٢/ ٩٤، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ٥ و٧، ومرآة الجنان ٢/ ١٦٣.
(٥) قواطع الأدلة ١/ ٣٢٨.
(٦) الكفاية: (١٨٨ - ١٨٩ هـ، ٢٨٨ - ٢٨٩ ت)، وجامع بَيَان العِلْم ١/ ٨١، والإلماع: ١٨٠. وَهُوَ قول عدد من أَئِمَّة الْحَدِيْث. انظر: شرح السنة ١/ ٢٣٨، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٦١ - ٢٦٢.
(٧) هُوَ الإمام أبو الحسن عَلِيّ بن مُحَمَّد بن حبيب البصري الماوردي الشَّافِعِيّ، صاحب التصانيف مِنْهَا: "الحاوي الكبير" و" الأحكام السلطانية "، توفي سنة (٤٥٠ هـ). المنتظم ٨/ ١٩٩ - ٢٠٠، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ٦٤ و٦٥، وطبقات الشافعية، للإسنوي ٢/ ٢٣٠.
(٨) الحاوي الكبير ٢٠/ ١٥٤ - ١٥٥. وقّواه الشَّيْخ الجزائري في توجيه النظر ٢/ ٦٨٦ وعلل ذَلِكَ بكون الرِّوَايَة بالمعنى إنما أجيزت للضرورة، ولا ضرورة إلا في هَذِهِ الحالة.
(٩) توجيه النظر: ٢/ ٦٨٧.
[ ١٢٨ ]
السابع: إذا أورد الرَّاوِي الْحَدِيْث قاصدًا الاحتجاج أو الفتوى جاز لَهُ الرِّوَايَة بالمعنى، وإن أورده بقصد الرِّوَايَة لَمْ يَجُزْ لَهُ إلا أداؤه بلفظه، وبه قَالَ ابن حزم (١).
الثامن: جواز الرِّوَايَة بالمعنى للصحابة حصرًا، ولا تجوز لغيرهم (٢)، وإليه مال القرطبي (٣).
التاسع: تجوز الرِّوَايَة بالمعنى للصحابة والتابعين دُوْنَ غيرهم (٤). وبه قَالَ أبو بكر الحفيد في كتابه "أدب الرِّوَايَة" (٥).
العاشر: تجوز الرِّوَايَة بالمعنى فِيْمَا يوجب العِلْم، ولا تجوز فِيْمَا يوجب العمل، وَهُوَ وجه للشافعية (٦).
الحادي عشر: تجوز الرِّوَايَة بالمعنى في الأحاديث الطوال، ولا تجوز في القصار، حكاه بعضهم عن الْقَاضِي عَبْد الوهاب (٧) المالكي (٨).
الثاني عشر: قَالَ جمهور الْعُلَمَاء من الفقهاء والمحدّثين وأهل الأصول بجواز الرِّوَايَة بالمعنى بشروط وضعوها لِذَلِكَ (٩)، وهذا هُوَ القول الراجح - إن شاء الله -.
وبناءً عَلَى ذَلِكَ فإن بَعْض الرُّوَاة قَدْ يسوّغ لنفسه رِوَايَة الْحَدِيْث بالمعنى عَلَى وجه يظن أنَّهُ أدى المطلوب مِنْهُ، وَلَكِنْ بمقارنة روايات غَيْره يظهر قصوره في تأدية المعنى.