ورود حَدِيْث الآحاد فِيْمَا تعم بِهِ البلوى
يجدر بنا قَبْلَ الدخول في هَذِهِ المسألة أن نتعرف عَلَى المقصود من قَوْل الفقهاء: «ما تعم بِهِ البلوى».
فمعناه عندهم: ما كثر وقوعه ويحتاج إلى العِلْم بِهِ جَمِيْع الناس، وما كَانَتْ هَذِهِ صورته فإن الدواعي تدعو إِلَى أن ينقله العدد الجمّ فيكون بمثابة الخبر المتواتر أو المَشْهُوْر، ووروده بخبر الآحاد ريبة توجب التوقف في قبول الخبر وهذا ما جنح إليه الحنفية (٧).
_________________
(١) في مسنده ١/ ٢٦٧.
(٢) في جامعه (٧٥)، وسياق الإِمَام التِّرْمِذِيّ للرواية المختصرة وتعقيبه بالرواية المطولة، ينبه بِذَلِكَ ذهن الباحث عَلَى وجود كلتا الرِّوَايَتَيْنِ، لا أنَّهُ صحح كلا الرِّوَايَتَيْنِ!!!
(٣) في صحيحه (٢٤).
(٤) في الأوسط (١٤٩).
(٥) في سننه ١/ ١٦١.
(٦) ٢/ ١٥٧ (١٥٦٥).
(٧) أصول السرخسي ١/ ٣٦٨، والفصول في الأصول ٣/ ١٤، وكشف الأسرار ٣/ ١٦، والتيسير والتحرير ٣/ ١١٢، وفواتح الرحموت ٢/ ١٢٨.
[ ١٩٩ ]
واستدلوا بالآثار الَّتِي رويت عن صحابة رَسُوْل الله - ﷺ -، مِمَّا يدل ظاهرها عَلَى العمل بهذا الشرط، ومن ذَلِكَ:
١ - ماروي عن قبيصة بن ذؤيب قَالَ: جاءت الجدة إِلَى أبي بكر تسأله ميراثها، قَالَ فَقَالَ لها: مالك في كتاب الله شيء، ومالك في سنة رَسُوْل الله - ﷺ - شيء، فارجعي حَتَّى أسأل الناس، فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رَسُوْل الله - ﷺ - فأعطاها السدس، فَقَالَ أبو بكر: هَلْ معك غيرك؟ فقام مُحَمَّد بن مسلمة الأنصاري فَقَالَ مِثْل ما قَالَ المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر (١).
٢ - عن أبي سعيد الخدري قَالَ: استأذن أبو موسى عَلَى عمر، فَقَالَ: السلام عليكم أأدخل؟ قَالَ عمر: واحدة، ثُمَّ سكت ساعة، ثُمَّ قَالَ: السلام عليكم أأدخل؟ قَالَ عمر: اثنان، ثُمَّ سكت ساعة فَقَالَ: السلام عليكم أأدخل؟ فَقَالَ عمر: ثلاث.
ثُمَّ رجع أبو موسى، فَقَالَ عمر للبواب: ماصنع؟ قَالَ: رجع. قَالَ: عَلِيّ بِهِ، فلما جاءه قَالَ: ماهذا الَّذِي صنعت؟ قَالَ: السنة، قَالَ: السنة؟ والله لتأتيني عَلَى هَذَا ببرهان أو بينة أو لأفعلن بك، قَالَ: فأتانا ونحن رفقة من الأنصار: فَقَالَ: يا معشر الأنصار ألستم أعلم الناس بحديث رَسُوْل الله - ﷺ -؟ ألم يقل رَسُوْل الله - ﷺ -: «الاستئذان ثلاث، فإن أذن لَكَ، وإلا فارجع»، فجعل القوم يمازحونه، قَالَ أبو سعيد: ثُمَّ رفعت رأسي إِلَيْهِ فقلت: فما أصابك في هَذَا من العقوبة فأنا شريكك. قَالَ: فأتى عمر فأخبره بِذَلِكَ، فَقَالَ عمر: ما كنت علمت بهذا (٢).
ولا معارض من الصَّحَابَة لفعل الخليفتين، فكان إجماعًا مِنْهُمْ عَلَى مضمون فعلهما (٣).
وأجيب عن استدلالهم هذا:
بأن دعوى الإجماع منقوضة بفعل عدد من الصحابة، إذ قبل كثير منهم أخبار الآحاد وقبلوها، بل ورد هذا عن الخليفتين أميري المؤمنين اللذين استدلوا بفعلهما، ومن ذلك:
١ - قبل الخليفة أبو بكر حديث ابنته أم المؤمنين عائشة في قدر الثوب الذي
_________________
(١) رَوَاهُ عَبْد الرزاق (١٩٠٨٣)، وسعيد بن مَنْصُوْر (٨٠)، وابن أبي شيبة (٣١٢٦٣)، وأحمد ٤/ ٢٢٥، والدارمي (٢٩٢٤)، وأبو داود (٢٨٩٤)، وابن ماجه (٢٧٢٤)، والترمذي (٢١٠١).
(٢) أخرجه عَبْد الرزاق (١٩٤٢٣)، وأحمد ٣/ ١٩، والدارمي (٢٦٣٢)، والبخاري ٣/ ٧٢ (٢٠٦٢)، ومسلم ٦/ ١٧٩ (٢١٥٣).
(٣) الفصول في علم الأصول ٣/ ١١٧.
[ ٢٠٠ ]
كفن فيه رسول الله - ﷺ -، فروى البخاري (١)، ومسلم (٢) وغيرهما (٣)، عن عائشة ﵂: «دخلت على أبي بكر - ﵁ - فقال: في كم كفنتم النبي - ﷺ -؟ قالت في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله - ﷺ -؟ قالت: يوم الاثنين». وكلا الأمرين (الكفن، ويوم وفاته) مِمَّا تعم بِهِ البلوى.
٢ - قَبْلَ الخليفة الفاروق أمير المؤمنين عمر خبر أم المؤمنين عَائِشَة -﵂- في وجوب الغسل من التقاء الختانين، فأخرج الطحاوي (٤) من طريق عبيد الله بن عدي بن الخيار (٥)، قَالَ: تذاكر أصحاب النَّبِيّ - ﷺ - عند عمر بن الخطاب الغسل من الجنابة.
فقال بعضهم: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، وقال بعضهم: إنما الماء من الماء.
فقال عمر - ﵁ -: قد اختلفتم عليَّ وأنتم أهل بدر الأخيار، فكيف بالناس بعدكم؟ فقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: يا أمير المؤمنين إن أردت أن تعلم ذلك فأرسل إلى أزواج النبي - ﷺ - فسلهن عن ذلك.
فأرسل إلى عائشة -﵂ - فقالت: «إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل». فقال عمر عند ذلك: لا أسمع أحدًا يقول: الماء من الماء إلا جعلته نكالًا.
وهذا الأمر مما تعم به البلوى أيضًا. وغيرها من الحوادث والآثار التي تعزز في نفس الناظر قبول خبر الآحاد فيما تعم به البلوى أو في غيرها.
أما الحادثتان اللتان استدلوا بهما، فيمكن الإجابة عنها:
بأن أبا بكر إنما توقف في خبر المغيرة، لأن ما أخبر عنه أمر مشهور، فأراد
_________________
(١) في صحيحه ٢/ ٩٥ (١٢٦٤)، و٢/ ٩٧ (١٢٧١)، و(١٢٧٢)، و(١٢٧٣)، و٢/ ١٢٧ (١٣٨٧).
(٢) في صحيحه ٣/ ٤٩ (٩٤١) (٤٥)، (٤٦).
(٣) فأخرجه عبد الرزاق (٦١٧١)، وأحمد ٦/ ٤٠، ٤٥، ١١٨، ١٣٢، ١٦٥، ١٩٢، ٢٠٣، ٢١٤، ٢٣١، ٢٦٤، وعبد بن حميد (١٤٩٥) و(١٥٠٧)، وأبو داود (٣١٥١) و(٣١٥٢)، وابن ماجه (١٤٦٩)، والترمذي (٩٩٦)، وفي الشمائل (٣٩٣)، والنسائي ٤/ ٣٥، وفي الكبرى (٢٠٢٤) و(٢٠٢٦) و(٧١١٦).
(٤) في شرح معاني الآثار ١/ ٥٩.
(٥) هُوَ عبيد الله بن عدي بن الخيار بن نوفل القرشي النوفلي، ولد في حياة النَّبِيّ - ﷺ -، توفي في خلافة الوليد بن عَبْد الملك. تاريخ الصَّحَابَة، لابن حبان: ١٦٦، وتاريخ دمشق ٣٨/ ٤٥، وسير أعلام النبلاء ٣/ ٥١٤ و٥١٥.
[ ٢٠١ ]
التثبت فيه (١).
وأما عمر فلأن أبا موسى أخبره الحديث عقب إنكاره عليه، فأراد عمر الاستثبات في خبره لهذه القرينة (٢).
فالراجح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من أن خبر الآحاد يعمل به وإن كان مما تعم به البلوى إذا استوفى شروط القبول للاحتجاج به من حيث ثبوته عن رسول الله - ﷺ -، ذلك أن الأدلة الشرعية الدالة عَلَى وجوب العمل بخبر الآحاد لم تفرق بين عموم البلوى وغيرها.
أثره في اختلاف الفقهاء