مخالفة الْحَدِيْث لحديث أقوى مِنْهُ
مِمَّا لا شك فِيْهِ أن الأحكام الشرعية مصدرها واحد، هُوَ الله - ﵎ - وإذا كَانَ الأمر كَذَلِكَ، فَقَدْ ذهب كَثِيْر من الْعُلَمَاء إِلَى أنَّهُ يمتنع أن يرد في التشريع دليلان متكافئان في الأمر نفسه، بِحَيْثُ لا يَكُوْن لأحدهما مرجح مَعَ تعارضهما من كُلّ وجه (٢).
لَكِنْ مَعَ ذَلِكَ فقد وجدنا عددًا من أدلة الأحكام الشرعية بدت للناظر - من أول وهلة - أنها متعارضة من حَيْثُ الظاهر، والحقيقة أنَّهُ لا تعارض بَيْنَها؛ لذا كَانَ الإمام ابن خزيمة يَقُوْل: «لا أعرف أنَّهُ روي عن النَّبِيّ - ﷺ - حديثان بإسنادين صحيحين متضادين، فمن كَانَ عنده فليأتني بِهِ لأؤلِّف بَيْنَهُمَا» (٣).
وَقَد تقاسم المحدّثون والأصوليون الاهتمام بهذا الجانب، وكرَّسوا لَهُ جزءًا لا يستهان بِهِ من طاقاتهم الفكرية؛ وذلك من خلال إشباعه بحثًا في مصنفاتهم. فالأصوليون أفردوا لَهُ بابًا أسموه "التعارض والترجيح"، وأما المحدّثون فَقَدْ خصوه بنوع من أنواع علم الْحَدِيْث أسموه "مختلف الْحَدِيْث" تحدّثت عَنْهُ كتب المصطلح، وأفرده قسم مِنْهُمْ بالتأليف المستقل.
وَقَدْ سلك الفريقان إزاء هَذَا الاختلاف الظاهري ثلاثة مسالك، هِيَ:
١ - الجمع.
٢ - النسخ.
٣ - الترجيح.
وهذه المسالك ليست تخيرية للمجتهد، بَلْ هِيَ واجبة حسب ترتيبها، فالمجتهد يطلب الجمع بوجه من الوجوه الممكنة من غَيْر تعسف؛ لأن في الجمع إعمالًا للدليلين معًا، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما أو إهمال جميعها (٤).
_________________
(١) فواتح الرحموت ٢/ ١٢٨، وانظر: مسائل من الفقه المقارن ٢/ ١٩٩ - ٢٠٨.
(٢) توجيه النظر ١/ ٥٢٣.
(٣) انظر: مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ٢٥٨، وطبعتنا: ٣٩١، وشرح التبصرة ٢/ ٣٠٢، ط. العلمية، وطبعتنا: ٢/ ١٠٩.
(٤) مختلف الْحَدِيْث بَيْنَ المحدّثين والأصوليين الفقهاء: ٢٨.
[ ١٦١ ]
فإن لَمْ يهتدِ إِلَى وجه الجمع، فإن علم تاريخ المتقدم من المتأخر قِيْلَ بالنسخ، فإن عدم أيضًا صير إِلَى الترجيح بوجه من وجوهه المعتبرة (١).
ثُمَّ إن هَذَا التعارض إنما يَكُوْن متجهًا فِيْمَا إذا تساوى الدليلان من حَيْثُ القوة، أما إذا كَانَ أحدهما صحيحًا والآخر ضعيفًا، فَلاَ اعتبار بمخالفة الضعيف، إذ الضعيف غَيْر معتبر في نفسه، فكيف تستقيم معارضته لما هُوَ أقوى مِنْهُ؟
وَقَد اختلفت مناهج الفقهاء والمدارس الفقهية في سلوك مسالك دفع التعارض بَيْنَ الأدلة الشرعية المتكافئة المتعارضة من حَيْثُ الظاهر، فمنهم من يتبين لَهُ وجه جمع بينها، ومنهم من قَد يرى في الجمع تكلفًا فيلجأ إِلَى القول بالنسخ وهكذا، مِمَّا أدّى إِلَى ظهور خلاف بَيْنَ الفقهاء في استنباط الأحكام الَّتِي دلّت عَلَيْهَا تِلْكَ الأدلة، ويتضح ذَلِكَ من الأمثلة الآتية: