الفرق بَيْنَ الاضطراب والاختلاف
الْحَدِيْث المضطرب: هُوَ ما اختلف راويه فِيْهِ، فرواه مرة عَلَى وجه، ومرة عَلَى وجه آخر مخالف لَهُ. وهكذا إن اضطرب فِيْهِ راويان فأكثر فرواه كُلّ واحد عَلَى وجه مخالف للآخر (٦).
_________________
(١) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام الواسطي، ثُمَّ البصري ولد سنة (٨٠ هـ)، وَقِيْلَ سنة (٨٢ هـ): ثقة حافظ متقن، قَالَ سفيان الثوري: شعبة أمير المؤمنين في الْحَدِيْث، توفي سنة (١٦٠هـ). تهذيب الكمال ٣/ ٣٨٧ (٢٧٢٥)، وسير أعلام النبلاء ٧/ ٢٠٢، والتقريب (٢٧٩٠).
(٢) سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو مُحَمَّد الكوفي، ثُمَّ المكي، ولد سنة (١٠٧ هـ): ثقة حافظ فقيه إمام حجة، توفي سنة (١٩٨ هـ). تهذيب الكمال ٣/ ٢٢٣ (٢٣٩٧)، وسير أعلام النبلاء ٨/ ٤٥٤، والتقريب (٢٤٥١).
(٣) يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التميمي، أبو سعيد البصري، ولد سنة (١٢٠ هـ): ثقة متقن حافظ إمام قدوة، توفي سنة (١٩٨ هـ). تهذيب الكمال ٨/ ٣٨ (٧٤٢٩)، وسير أعلام النبلاء ٩/ ١٧٥، والتقريب (٧٥٥٧).
(٤) عَبْد الرحمان بن مهدي بن حسان العنبري، وَقِيْلَ الأزدي مولاهم، أبو سعيد البصري اللؤلؤي، ولد سنة (١٣٥ هـ): ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، توفي سنة (١٩٨ هـ). تهذيب الكمال ٤/ ٤٧٦ (٣٩٥٧)، وسير أعلام النبلاء ٩/ ١٩٢، والتقريب (٤٠١٨).
(٥) التمييز: ١٢٤ - ١٢٦.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٠، وفي طبعتنا ١/ ٢٩٠، وانظر: مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ١٩٢ طبعتنا، و٨٤ من طبعة نور الدين، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ٢٤٩ - ٢٥٣، والتقريب: ١٢٣ طبعتنا، و٧٧ من طبعة الخن، والاقتراح: ٢١٩، والمنهل الروي: ٥٢، والخلاصة ٧٦، والموقظة: ٥١، واختصار علوم الْحَدِيْث: ٧٢، والتذكرة: ١٨، ومحاسن الاصطلاح: ٢٠٤، والتقييد والإيضاح: ١٢٤، ونزهة النظر: ١٢٦، والنكت عَلَى كتاب ابن الصلاح: ٢/ ٧٧٢، والمختصر: =
[ ١١ ]
ومن شرط الاضطراب: تساوي الروايات المضطربة بحيث لا تترجح إحداها عَلَى الأخرى.
أما إذا ترجحت إحدى الروايات فلا يسمى مضطربًا، بَلْ هُوَ مطلق اختلافٍ، قَالَ العراقي (١): «أما إذا ترجحت إحداهما بكون راويها أحفظ، أو أكثر صُحْبَة للمروي عَنْهُ، أو غَيْر ذَلِكَ من وجوه الترجيح؛ فإنه لا يطلق عَلَى الوجه الراجح وصف الاضطراب ولا لَهُ حكمه، والحكم حينئذ للوجه الراجح» (٢). وهذا أمر معروف بَيْنَ الْمُحَدِّثِيْنَ لا خلاف فِيْهِ؛ لذا نجد المباركفوري يَقُوْلُ: «قَدْ تقرر في أصول الْحَدِيْث أنّ مجرد الاختلاف لا يوجب الاضطراب، بَلْ من شرطه استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قُدِّمَ» (٣).
فعلى هَذَا شرط الاضطراب تساوي الروايات، أما إذا ترجحت إحداهما عَلَى الأخرى فالحكم للراجحة، والمرجوحة شاذة أَوْ منكرة. وعليه فإن كَانَ أحد الوجوه مرويًا مِنْ طريق ضعيف والآخر من طريق قوي فلا اضطراب والعمل بالطريق القوي، وإن لَمْ يَكُنْ كذلك، فإن أمكن الجمع بَيْنَ تِلْكَ الوجوه بحيث يمكن أن يَكُوْنَ المتكلم باللفظين الواردين عَنْ معنى واحد فلا إشكال أَيْضًا؛ مِثْل أن يَكُوْنَ في أحد الوَجْهَيْنِ قَدْ قَالَ الرَّاوِي: عَنْ رجل، وفي الوجه الآخر يسمي هَذَا الرجل، فَقَدْ يَكُوْن هَذَا المسمى هُوَ ذَلِكَ المبهم؛ فَلاَ اضطراب إذن ولا تعارض، وإن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بأن يسمي مثلًا الرَّاوِي باسم معينٍ في رِوَايَة ويسميه باسم آخر في رِوَايَة أخرى فهذا محل نظر وَهُوَ اضطراب إِذْ يتعارض فِيْهِ أمران:
أحدهما: أنه يجوز أن يَكُوْن الْحَدِيْث عَنْ الرجلين معًا.
والثاني: أن يغلب عَلَى الظن أن الرَّاوِي واحد واختلف فِيْهِ (٤). فههنا لا يخلو أن
_________________
(١) ، وفتح المغيث ١/ ٢٢١، وألفية السيوطي: ٦٧ - ٦٨، وتوضيح الأفكار ٢/ ٣٤، وظفر الأماني: ٣٩٢، وقواعد التحديث: ١٣٢.
(٢) هُوَ زين الدين عَبْد الرحيم بن الحسين بن عَبْد الرحمان بن أبي بكر بن إبراهيم، المهراني المولد، العراقي الأصل الكردي، الشَّافِعِيّ المذهب، حافظ العصر، ولد سنة (٧٢٥ هـ)، من مصنفاته: " شرح التبصرة والتذكرة " و" التقيد والإيضاح " وغيرهما، توفي سنة (٨٠٦ هـ). لحظ الألحاظ: ٢٢١، والضوء اللامع ٤/ ١٧١، وشذرات الذهب ٧/ ٥٥، والأعلام ٣/ ٣٤٤ و٣٤٥.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٠، وفي طبعتنا ١/ ٢٩١.
(٤) تحفة الأحوذي ٢/ ٩١ - ٩٢.
(٥) قَدْ يقع الاضطراب والاختلاف من راو واحد لخلل طرأ في ضبط ذَلِكَ الشيء المضطرب فِيْهِ =
[ ١٢ ]
يَكُوْن الرجلان كلاهما ثقة أو لا، فإن كانا ثقتين فهنا لا يضر الاختلاف عِنْدَ الكثير؛ لأنّ الاختلاف كيف دار فهو عَلَى ثقة، وبعضهم يقول: هَذَا اضطراب يضر؛ لأنه يدل عَلَى قلة الضبط (١).
إذن شرط الاضطراب الاتحاد في المصدر، وعدم إمكانية التوفيق بَيْنَ الوجوه المختلفة والترجيح عَلَى منهج النقاد وعلى ما تقدم يتبين لنا أنّ بَيْنَ الاضطراب والاختلاف عمومًا وخصوصًا، وَهُوَ أن كُلّ مضطرب مختلف فِيْهِ، ولا عكس. فالاختلاف أعم من الاضطراب إِذْ شرط الاضطراب أن يَكُوْن قادحًا، أما الاختلاف فربما كَانَ قادحًا وربما لَمْ يَكُنْ قادحًا.
ثُمَّ إنه ليس كُلّ اختلاف يؤدي إلى وجود الاضطراب، إِذْ إن ما يشبه أن يَكُوْن اضطرابًا ينتفي عَنْ الْحَدِيْث إذا جمع بَيْنَ الوجوه المختلفة أو رجح وجه مِنْهَا عَلَى طريقة النقاد لا عَلَى طريقة التجويز العقلي.