مخالفة الْحَدِيْث للقياس
ذهب جمهور عُلَمَاء الأمة إِلَى القول بحجية القياس، وأنه أحد أدلة الأحكام الشرعية ومصادرها في الفقه الإسلامي (٢).
والقياس هُوَ: حمل معلوم عَلَى معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما، بأمرٍ جامع بَيْنَهُمَا من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما عنهما (٣).
لذا كَانَ مبتنى القياس النظر والإستنباط من تصرفات الشارع وربط الأحكام بعللها، فإذا عارض خبر الواحد القياس، فأي مِنْهُمَا يقدم موجبه عَلَى الآخر؟
اشتهر عن الحنفية اشتراط عدم مخالفة خبر الواحد للقياس حَتَّى يصح العمل بِهِ كدليل مستقل، والحق أن هَذَا الموطن لَيْسَ محل اتفاق بَيْنَهُمْ، بَلْ هناك تفصيل في مذهبهم عَلَى النحو الآتي:
إذا تعارض خبر الآحاد مَعَ القياس فأكثر المتقدمين من الحنفية عَلَى تقديم الخبر وافق القياس أو خالفه؛ لأن القياس اجتهاد ولا اجتهاد في مورد النص.
وأما الَّذِيْنَ قالوا بتقديم القياس عَلَى خبر الواحد فهم بَعْض المتقدمين مِنْهُمْ، وتابعهم عَلَيْهِ كَثِيْر من المتأخرين، ولكنهم لَمْ يقولوا بالرد بإطلاق، بل قسموا الرُّوَاة على قسمين:
الأول: الرُّوَاة المعروفون بالضبط والفقه والاجتهاد، كالخلفاء الأربعة والعبادلة ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت - ﵃ - فهؤلاء تقبل أخبارهم باتفاق.
الثاني: الرُّوَاة الَّذِيْنَ اشتهروا بالرواية، وَلَمْ يعرفوا بالفقه والاجتهاد والفتيا، فإذا جاءوا بخبر الآحاد، فإن وافق القياس قبل، وإن خالف القياس ووافق قياسًا آخر قبل
_________________
(١) فتح الباري ١/ ٢٧٧.
(٢) نهاية السول ٣/ ١٠، وإرشاد الفحول: ٦٥٩.
(٣) البرهان ٢/ ٤٨٧، والمستصفى ٢/ ٢٢٨، وإحكام الأحكام ٣/ ١٢٦.
[ ١٧٤ ]
أيضًا، وإن خالف جَمِيْع الأقيسة، فَقَالَ عيسى بن أبان (١) والقاضي أبو زيد الدبوسي (٢) وتابعهما أكثر المتأخرين من الحنفية أنَّهُ لا يقبل (٣).
وَهُوَ قولٌ للمالكية (٤).
وفصّل أبو الْحُسَيْن البصري (٥) من المعتزلة تفصيلًا آخر، فرأى أن القياس يقدّم عَلَى خبر الواحد في حالة ثبوت علة القياس بدليل قاطع، وعلل ذَلِكَ بأن النص عَلَى العلة كالنص عَلَى حكمها، فحينئذ القياس قطعي، وخبر الآحاد ظني، والقطعي مقدم عَلَى الظني (٦).
واستدلوا بأن عرض خبر الواحد عَلَى القياس كَانَ من ضمن المناهج الَّتِي اتبعها الصَّحَابَة في نقد المرويات وتمحيص الأخبار، فهذا ابن عَبَّاسٍ يرد عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ عندما حدّث بحديث: «توضؤوا مِمَّا مست النار»، قائلًا: أنتوضأ من الدُّهن، أنتوضأ من الحميم؟ فَقَالَ أبو هُرَيْرَةَ: «يا ابن أخي إذا سَمِعْت حديثًا عن رَسُوْل الله - ﷺ - فَلاَ تضرب لَهُ الأمثال». (٧)
فابن عَبَّاسٍ قَدْ توقف في قبول خبر أبي هُرَيْرَةَ وعارضه بالقياس.
وأجاب الجُمْهُوْر: بأن دعوى أن مِثْل هَؤُلاَءِ من الصَّحَابَة - كأبي هُرَيْرَةَ وأنس - ليسوا من أهل الفقه، أمر فِيْهِ نظر طويل، ولوا أمعنا النظر في مروياته وآرائه لعلمنا رجاحة عقليته الفقهية، وإجابته لابن عَبَّاسٍ تدل عَلَى هَذَا دلالة لايشوبها لبس أو
_________________
(١) عيسى بن أبان بن صدقة، أبو موسى، فقيه العراق وقاضي البصرة، مات سنة (٢٢١ هـ). تاريخ بغداد ١١/ ١٥٧ و١٥٩، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ٤٤٠، وميزان الاعتدال ٣/ ٣١٠.
(٢) العلامة، شيخ الحنفية، أَبُو زيد عَبْد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي، لَهُ مصنفات مِنْهَا: " تقويم الأدلة " و" الأسرار "، مات سنة (٤٣٠ هـ). اللباب ١/ ٤٩٠، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٢١، وشذرات الذهب ٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
(٣) كشف الأسرار للبزدوي ٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨. وانظر: الفصول في الأصول ٣/ ١٤١، وشرح مختصر ابن الحاجب للشمس الأصفهاني ١/ ٧٥٢، وتيسير التحرير ٣/ ١١٦، وشرح التلويح عَلَى التوضيح ٢/ ٥، وأسباب اختلاف الفقهاء: ٢٩٢.
(٤) البحر المحيط ٤/ ٣٤٣.
(٥) أبو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن عَلِيّ بن الطيب البصري صاحب التصانيف منها: " المعتمد في أصول الفقه " و" تصفح الأدلة "، مات سنة (٤٣٦ هـ). تاريخ بغداد ٣/ ١٠٠، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٨٧ - ٥٨٨، وشذرات الذهب ٣/ ٢٥٩.
(٦) المعتمد ٢/ ١٦٣.
(٧) رَوَاهُ الطيالسي (٢٣٧٦)، وعبد الرزاق (٢٦٧) و(٥٦٨)، وأحمد ٢/ ٢٦٥، ومسلم ١/ ١٨٧ (٣٥٢)، والترمذي (٧٩)، والنسائي ١/ ١٠٥، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٦٣.
[ ١٧٥ ]
غموض.
وأمَّا حديث الوضوء مِمَّا مست النار، فَلَمْ يَكُنْ رد ابن عَبَّاسٍ لَهُ مستندًا إِلَى مخالفة القياس، وإنما كَانَ الْحَدِيْث عِنْدَ ابن عَبَّاسٍ منسوخًا بحديث: «أن النَّبِيّ - ﷺ - أكل كتف شاة وصلى وَلَمْ يتوضأ» (١).
عَلَى أن أبا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ منفردًا برواية حَدِيْث الوضوء مِمَّا مست النار، إذ شاركه في روايته: أبو أيوب (٢)، وأبو طلحة (٣)، وزيد بن ثابت (٤)، وأم حبيبة (٥)، وعائشة (٦)، وأبو موسى الأشعري (٧)، وسهل (٨) بن الحنظلية (٩)، وأم سلمة (١٠)، وأنس بن مالك (١١)، وعبد الله بن عمر (١٢) ومعاذ بن جبل (١٣)، وعبد الله بن زيد (١٤)، وغيرهم؛ حَتَّى
_________________
(١) رَوَاهُ أحمد ١/ ٢٥٦، والبخاري ١/ ٦٣ (٢١٧)، وأبو داود (١٨٧)، وابن خزيمة (٤١) من حَدِيْث ابن عَبَّاسٍ.
(٢) خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، أَبُو أيوب، من كبار الصَّحَابَة، مات سنة (٥٠ هـ)، وَقِيْلَ: (٥٢هـ). طبقات لابن سعد ٣/ ٤٨٤ و٤٨٥، وسير أعلام النبلاء ٢/ ٤٠٢ و٤١٤ - ٤١٣، والتقريب (١٦٣٣) وحديثه عِنْدَ النسائي ٢/ ١٠٦.
(٣) زيد بن سهل بن الأسود، أبو طلحة الأنصاري صاحب رَسُوْل الله - ﷺ -، وأحد أعيان البدريين، توفي سنة (٣٤ هـ). تاريخ الصَّحَابَة: ١٠٦، وسير أعلام النبلاء ٢/ ٢٧ و٢٨، والتقريب (٢١٣٩) وحديثه عِنْدَ النسائي٢/ ١٠٦.
(٤) عِنْدَ النسائي ٢/ ١٠٧.
(٥) أم المؤمنين، رملة بنت أبي سُفْيَان بن حرب، ويقال: صخر بن حرب، بن أمية، أم حبيبة، توفيت سنة (٤٤ هـ). انظر: الطبقات، لابن سعد ٨/ ٩٦ و١٠٠، والطبقات، لابن خليفة: ٣٣٢، وسير أعلام النبلاء ٢/ ٢١٨، وحديثها عِنْدَ أبي داود (١٩٥).
(٦) عِنْدَ مُسْلِم ١/ ١٨٨ (٣٥٣).
(٧) عِنْدَ أحمد ٤/ ٣٩٧ و٤١٣.
(٨) سهل بن الحنظلية الأنصاري، صَحَابِيّ، والحنظلية أمه أو من أمهاته واختلف في اسم أبيه، والأشهر عَمْرو بن عدي، توفي في صدر خلافة معاوية. تاريخ الصَّحَابَة: ١٢٢، والإصابة ٢/ ٨٦ و٨٧، والتقريب (٢٦٥٥).
(٩) عِنْدَ أحمد ٤/ ١٨٠ و٥/ ٢٨٩.
(١٠) عِنْدَ الطبراني في الكبير ٢٣/ ٢٣٦.
(١١) عِنْدَ البزار، كَمَا في المجمع ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
(١٢) عِنْدَ البزار والطبراني في الكبير والأوسط، كَمَا في المجمع ١/ ٢٤٩.
(١٣) عِنْدَ البزار، كَمَا في المجمع ١/ ٢٤٩.
(١٤) هُوَ الصَّحَابِيّ أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاري المازني المدني، توفي سنة (٦٣ هـ). تاريخ الصَّحَابَة، لابن حبان: ١٥٥، وتهذيب الكمال ٤/ ١٣٨ (٣٢٦٩)، وسير أعلام النبلاء ٢/ =
[ ١٧٦ ]
عدّوه من المتواتر (١).
فالراجح من ناحية النظر والدليل: ماذهب إِلَيْهِ جمهور الْعُلَمَاء، لذا قَالَ ابن جَمَاعَة: «والصحيح الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة الْحَدِيْث أو جمهورهم، أن خبر الواحدالعدل المتصل في جَمِيْع ذَلِكَ مقبول وراجح عَلَى القياس المعارض لَهُ، وبه قَالَ الشَّافِعِيّ وأحمد ابن حنبل وغيرهما من أَئِمَّة الْحَدِيْث والفقه والأصول - ﵃ -» (٢).
غَيْر أن هَذَا الاختلاف في المواقف بشأن مخالفة خبر الواحد للقياس تَرَكَ أثرًا في الإستنباطات الفقهية نلمسها جلية في الأمثلة الآتية: