مخالفة الْحَدِيْث لفتوى راويه أو عمله
وضع الحنفية شروطًا للعمل بخبر الآحاد، يمكن أن تَكُوْن عاضدًا للظن الَّذِي يوجبه خبر الواحد (٩).
_________________
(١) في شرح المعاني ٤/ ١٢٢.
(٢) (٥١٩٢) و(٥١٩٤)، وفي طبعة الرسالة (٥١٨٤) و(٥١٨٦).
(٣) في الكامل ٥/ ١٠١.
(٤) في سننه ٤/ ٢٣٢.
(٥) في سننه ٦/ ١٠٢ - ١٠٣.
(٦) الشَّيْخ الإمام الحَافِظ، أبو مُحَمَّد الْحُسَيْن بن مسعود بن مُحَمَّد البغوي صاحب التصانيف كـ " شرح السنة " و" معالم التنْزيل "، مات سنة (٥١٦ هـ). سير أعلام النبلاء ١٩/ ٤٣٩ و٤٤٠ و٤٤٢، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٥٧ و١٢٥٨. والحديث أخرجه في شرح السُّنَّة (٢١٧١).
(٧) عون المعبود ٣/ ٣٠٦.
(٨) تهذيب السنن ٥/ ١٦٧، وانظر: تنقيح التحقيق ٣/ ٥٨.
(٩) ميزان الأصول: ٤٣١، تح: د. مُحَمَّد زكي عَبْد البر، و٢/ ٦٣٩ تح: د. عَبْد الملك السعدي.
[ ١٦٥ ]
ومن بَيْن تِلْكَ الشروط: أن لا يعمل الرَّاوِي بخلاف روايته (١)، ووافقهم عَلَى هَذَا بَعْض المالكية (٢)؛ لأنَّهُ ما عمل بخلافه إلا وَقَدْ تيقن من طريق صحيحة نسخه، أو صرفه عن ظاهره بتأويله أو تخصيصه، سواء كَانَ هَذَا من معاينة حال رَسُوْل الله - ﷺ -، أو سَمَاع نصٍ جلي صريح مِنْهُ، أو علم إجماع الصَّحَابَة عَلَى خلاف مضمونه، فأوجب هَذَا عَلَيْهِ القول بمقتضى المتأخر من حَيْثُ علمه (٣).
وفصّل أبو بكر الرازي الجصاص من الحنفية، فرأى أن الخبر المروي عَلَى هَذِهِ الصورة لا يخلو عن حالتين:
الأولى: أن يَكُوْن الخبر محتملًا للتأويل، فعند ذَلِكَ لا يؤخذ بتأويل الصَّحَابِيّ فمن دونه، ويبقى الخبر عَلَى ظاهره معمولًا بمنطوقه، إلاّ عِنْدَ قيام دلالة عَلَى وجوب صرفه إِلَى ما يؤوله الرَّاوِي.
الثانية: أن لا يحتمل الخبر تأويلًا، ولا يمكن أن يَكُوْن لفظ الْحَدِيْث تعبيرًا من الصَّحَابِيّ، فهذا الَّذِي يتوقف في قبوله والعمل بِهِ (٤).
وجمهور الفقهاء والأصوليين عَلَى خلافه، إذ لا يلزم من مخالفة الصَّحَابِيّ للحديث الَّذِي يرويه، أن يَكُوْن قَد اطَّلع عَلَى ناسخ لَهُ، أو بدا لَهُ وجه تأويله (٥)، ثُمَّ إن المقتضي للحكم هُوَ ظاهر اللفظ في الخبر، وَهُوَ قائم، وما عارضه من فعل الرَّاوِي لا يصلح أن يَكُوْن معارضًا؛ وذلك لأن احتمال تمسكه بِمَا ظنه دليلًا - مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ - قائم، وتَدَيّن الصَّحَابِيّ وإحسان الظن بِهِ، يمنعه من تعمد الخطأ، أما السهو والغلط فممكن عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ ممكن عَلَى غيره (٦).
وقول الصَّحَابِيّ - مهما كَانَتْ مكانته - لا تقاوم الوقوف بوجه النص، لا سيما إذا كَانَ النص لا يحتمل التأويل، وإنما يعدُّ هَذَا من اجتهادات ذَلِكَ الصَّحَابِيّ، والأمة ملزمة بالعمل بالنص، وغير ملزمة بالعمل باجتهادات الصَّحَابَة، قَالَ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ
_________________
(١) كشف الأسرار للبزدوي ٣/ ٦١، وأصول السرخسي ٢/ ٨، وميزان الأصول: ٤٤٤ وتحقيق د. عَبْدالملك السعدي ٢/ ٦٥٥ - ٦٥٧، وتيسير التحرير ٣/ ٧١.
(٢) البحر المحيط ٤/ ٣٤٦.
(٣) ميزان الأصول: ٤٤٥، تح: د. مُحَمَّد زكي عَبْد البر، و٢/ ٦٥٦ تح: د. عَبْد الملك السعدي، وأصول الفقه الإسلامي في نسيجه الجديد: ٣٦.
(٤) الفصول في علم الأصول ٣/ ٢٠٣.
(٥) أسباب اختلاف الفقهاء: ٣٠٤.
(٦) إحكام الفصول للباجي ١/ ٣٥٢ فقرة (٣١٤)، والمحصول ٢/ ٢١٦.
[ ١٦٦ ]
اللهُ -: «كيف أترك الْحَدِيْث بعمل من لَوْ عاصرته لحاججته» (١).
والحديث - إذا صَحَّ سنده واتضحت دلالته - حجة عَلَى الأمة، بِمَا فِيْهَا الصَّحَابِيّ (٢)؛ لذا قَالَ ابن القيم: «والذي ندين الله بِهِ ولا يسعنا غيره - وَهُوَ القصد في هَذَا الباب - أن الْحَدِيْث إذا صَحَّ عن رَسُوْل الله - ﷺ -، وَلَمْ يصح عَنْهُ حَدِيْث آخر ينسخه: أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كُلّ ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنًا من كَانَ لا راويه ولا غيره، إذ من الممكن أن ينسى الرَّاوِي الْحَدِيْث، أو لا يحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته عَلَى تِلْكَ المسألة، أو يتأول فِيْهِ تأويلًا مرجوحًا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه، ولا يَكُوْن معارضًا في نفس الأمر، أو يقلّد غيره في فتواه بخلافه؛ لاعتقاده أنَّهُ أعلم مِنْهُ، وإنه إنما خالفه لما هُوَ أقوى مِنْهُ، وَلَوْ قُدّر انتفاء ذَلِكَ كله، ولا سبيل إِلَى العِلْم بانتفائه ولا ظنه، لَمْ يَكُنْ الرَّاوِي معصومًا، وَلَمْ توجب مخالفته لما رَوَاهُ سقوط عدالته، حَتَّى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هَذَا الْحَدِيْث الواحد لا يحصل لَهُ ذَلِكَ» (٣).
ومهما يَكُنْ الأمر فإن هَذَا التأصيل قَد انعكس عَلَى المجال الفقهي، فوجدت خلافات بَيْنَ الفقهاء، كَانَ مرجعها إِلَى هَذَا الأصل، ونلمس هَذَا جليًا من خلال الأمثلة الآتية: