مخالفة الْحَدِيْث لعمل أهل المدينة
من المعلوم أن المدينة النبوية كَانَتْ مهبط الوحي ومركز السلطة التشريعية والدنيوية في الحقبة الثانية من الدعوة النبوية، وَلَمْ يؤثر عن أحد من الصحابة سواء من المهاجرين أو الأنصار مِمَّنْ سكنها أنَّهُ نزح عَنْهَا في حياة رَسُوْل الله - ﷺ -.
وكانوا في حياتهم العامة عَلَى تماس مَعَ التشريعات والأحكام، يعيشون ظروفها، ويفقهون عللها، ويقومون بمهمة نشرها وتعليمها، وهكذا ظلت أجيال الناس فِيْهَا تتلقى الأحكام جيلًا عن جيل، وَهُوَ مؤدٍ في نهاية المطاف إلى اعتبار إجماع أهلها نقلًا بالتواتر للحكم المعمول بِهِ (٢).
لذا اشترط جمهور المالكية للعمل بخبر الآحاد أن لا يَكُوْن مخالفًا لعمل أهل المدينة (٣) وتعللوا بِمَا قدمنا ذكره.
والحق أن الْحَدِيْث إذا صَحَّ لَمْ يَكُنْ لقول أحدٍ كائنًا من كَانَ أن يعارض بِهِ، والحجة في نقل المعصوم فَقَطْ، ثمَّ إن أهل المدينة جزء من الأمة لا كلها، فَلاَ ينبني
_________________
(١) إعلام الموقعين ٢/ ١٩ - ٢٠ و٣١١، وفتح الباري ٤/ ٣٧٩.
(٢) ترتيب المدارك ١/ ٦٤ - ٦٥، وإعلام الموقعين ٢/ ٣٧٤.
(٣) إحكام الفصول ١/ ٤٨٦ (٥١١) فما بعدها.
[ ١٨٣ ]
عَلَى موافقتهم جواز مخالفة الأحاديث المقبولة (١).
وَقَدْ فند أدلتهم ابن حزم من وجوه حاصلها:
١ - إن الخبر المسند الصَّحِيْح قَبْلَ العمل بِهِ، أحق هُوَ أم باطل؟ فإن قالوا: حق، فسواء عمل بِهِ أهل المدينة أم لَمْ يعملوا، لَمْ يزد الحقَ درجةً عملُهُم بِهِ وَلَمْ ينقصه إن لَمْ يعملوا بِهِ، وإن قالوا باطل، فإن الباطل لا ينقلب حقًا بعملهم بِهِ، فثبت أن لا معنى لعمل أهل المدينة أو غيرهم.
٢ - العمل بالخبر الصَّحِيْح متى أثبت الله العمل بِهِ، أقبل أن يعمل بِهِ أم بَعْدَ العمل بِهِ؟ فإن قالوا: قَبْلَ أن يعمل بِهِ، فَهُوَ كقولنا. وإن قالوا: بَعْدَ أن يعمل بِهِ، لزمهم عَلَى هَذَا أن العاملين بِهِ هم الَّذِيْنَ شرعوا الشريعة، وهذا باطل.
٣ - نقول: عمل من تريدون؟ عمل أمة مُحَمَّد؟ كافة، أم عمل عصر دُوْنَ عصر، أم عمل رسول الله؟، أم أبي بكر، أم عمر، أم عمل صاحب من سكان المدينة مخصوصًا؟ فإن قالوا: عمل الأمة كلها، فَلاَ يصح؛ لأن الخلاف بَيْنَ الأمة مشتهر، وهم دائمو الرد عَلَى من خالفهم، فلو كَانَتْ الأمة مجمعة عَلَى هَذَا القول فعلى من يردون؟! وإن قالوا: عصر دُوْنَ عصر، فباطل أيضًا؛ لأنَّهُ ما من عصر إلا وقَدْ وجد فيه خلاف، ولا سبيل إِلَى وجود مسألة متفق عَلَيْهَا بَيْنَ أهل عصر (٢).
٤ - ونقول لَهُمْ: أهل المدينة الَّذِيْنَ جعلتم عملهم حجة رددتم بِهَا خبر المعصوم، اختلفوا فِيْمَا بَيْنَهُمْ أم لا؟ فإن قالوا: لا، فإن الموطأ يشهد بخلاف هَذَا، وإن قالوا: نعم، قُلْنَا: فما الَّذِي جعل اتباع بعضهم أولى من بَعْض (٣).