مَن يثبت لَهُ حقّ الشفعة:
اختلف الفقهاء فيمن يثبت لَهُ حق الشفعة عَلَى مذهبين:
المذهب الأول: تثبت الشفعة بالخلطة، أي: أن الَّذِي يستحق الشفعة هُوَ الشريك الَّذِي لا تزال شركته قائمة، وَهُوَ المسمى: الشريك في عين المبيع فَقَطْ.
وبهذا قَالَ جمهور الْفقهاء، روي هَذَا عن عمر وعثمان (٢) وعلي وابن عَبَّاسٍ وجابر وعمر بن عَبْد العزيز وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة بن أبي عَبْد الرَّحْمَان وأبي الزناد والمغيرة بن عَبْد الرَّحْمَان (٣) والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر (٤).
_________________
(١) نزهة النظر: ١٠٣ فما بعدها.
(٢) عثمان بن عفان بن أبي العاص الأموي، أمير المؤمنين، أحد الخلفاء الأربعة والعشرة المبشرة، استشهد سنة (٣٥ هـ). معجم الصَّحَابَة ١١/ ٣٩٤٥، وتهذيب الكمال ٥/ ١٢٦ (٤٤٣٦)، والتقريب (٤٥٠٣).
(٣) المغيرة بن عَبْد الرَّحْمَان بن عَبْد الله القرشي، أبو هاشم: ثقة لَهُ غرائب، توفي في حدود سنة (١٨٠هـ). انظر: تهذيب الكمال ٧/ ١٩٩ (٦٧٣٢)، وسير أعلام النبلاء ٨/ ١٦٦ و١٦٧، والتقريب (٦٨٤٥).
(٤) الجامع الكبير ٣/ ٤٧ عقب (١٣٧٠)، والإشراف عَلَى مذاهب أهل العِلْم ٢/ ٥، والتهذيب ٤/ ٣٣٧، والمغني ٥/ ٤٦١.
[ ١٦٢ ]
وإليه ذهب المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) والإمامية (٤).
وهناك من أثبت حق الشفعة - إضافة للشريك في عين المبيع - للشريك في حق المبيع.
وَهُوَ رِوَايَة عن الإمام أحمد (٥)، واختارها ابن تيمية (٦) وابن القيم (٧) من الحنابلة (٨)، وبنحوه قَالَ ابن حزم (٩)؛ إلا أنَّهُ لَمْ يجعلها للشريك في حق المبيع مطلقًا، وإنما خصّها بكونه شريكًا في الطريق فَقَطْ.
المذهب الثاني: أثبتوا حقّ الشفعة للجار والشريك عَلَى تفاصيل لَهُمْ في تعيين من هُوَ أولى بِهَا.
وبهذا قَالَ: ابن شبرمة والثوري وابن المبارك وابن أبي ليلى (١٠).
وإليه ذهب أبو حَنِيْفَةَ وأصحابه (١١). وبنحوه قَالَ الزيدية (١٢).
واستدل أصحاب المذهب الثاني بِمَا رَوَاهُ عَبْد الملك بن أبي سليمان
_________________
(١) بداية المجتهد ٢/ ١٩٤، والقوانين الفقهية: ٢٨٣، وشرح الزرقاني عَلَى الموطأ ٣/ ٣٧٨، وشرح الدردير مَعَ حاشية الدسوقي ٣/ ٤٧٤، وشرح منح الجليل ٣/ ٥٨٣.
(٢) الحاوي الكبير ٩/ ٥، والمهذب ١/ ٣٨٣، والتهذيب ٤/ ٣٣٧، وروضة الطالبين ٥/ ٧٢، وشرح المنهج مَعَ حاشية الجمل ٣/ ٤٩٨، وكفاية الأخيار ١/ ٥٦٢، ومغني المحتاج ٢/ ٢٩٧.
(٣) المغني ٥/ ٤٦١، والمقنع: ١٥١، وكشاف القناع ٤/ ١٤٩.
(٤) من لا يحضره الفقيه ٣/ ٤٦، وتهذيب الأحكام ٧/ ١٤٩ - ١٥٠.
(٥) الهداية للكلوذاني: ورقة ١٠٢/ب.
(٦) شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عَبْد الحليم بن عَبْد السلام بن عَبْد الله بن تيمية الحراني، صاحب التصانيف مِنْهَا: " الفتاوى الكبرى "، ولد سنة (٦٦١ هـ)، وتوفي سنة (٧٢٨ هـ). مرآة الجنان ٤/ ٢٠٩، وطبقات الحفاظ: ٥٢٠، والمنهج الأحمد ٣/ ١٥٤.
(٧) هُوَ شمس الدين مُحَمَّد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي ثُمَّ الدمشقي أبو عَبْد الله ابن القيم الجوزية، الفقيه الأصولي النحوي المفسر، صاحب المصنفات مِنْهَا: " تهذيب سنن أبي داود " و" إعلام الموقعين "، ولد سنة (٦٩١ هـ)، وتوفي سنة (٧٥١ هـ). الدرر الكامنة ٣/ ٤٠٠ و٤٠٣، والمنهج الأحمد ٣/ ٢٠٤ و٢٠٥ و٢٠٦، وشذرات الذهب ٦/ ١٦٨.
(٨) إعلام الموقعين ٢/ ١٢٢، ومسائل من الفقه المقارن ٢/ ٢٧.
(٩) المحلى ٩/ ٩٢.
(١٠) حلية العلماء ٥/ ٢٦٦، والمغني ٥/ ٤٦١.
(١١) المبسوط ١٤/ ٩٢، وبدائع الصنائع ٥/ ١٠، وشرح فتح القدير ٧/ ٤٠٦، وتبيين الحقائق ٥/ ٢٤٠، وحاشية رد المحتار ٦/ ٢٢١.
(١٢) السيل الجرار ٣/ ١٧١، والبحر الزخار ٥/ ٦، وانظر: الاستذكار ٦/ ٧٠ وما بعدها.
[ ١٦٣ ]
العرزمي (١)، عن عطاء، عن جابر، مرفوعًا: «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بِهَا، وإن كَانَ غائبًا، إذا كَانَ طريقهما واحدًا».
رَوَاهُ الطيالسي (٢) وعبد الرزاق (٣) وابن أبي شيبة (٤) وأحمد (٥) والدارمي (٦) وأبو داود (٧) وابن ماجه (٨) والترمذي (٩) وفي العلل الكبير (١٠) والنسائي (١١) والطحاوي (١٢) والطبراني (١٣) البيهقي (١٤) وابن عَبْد البر (١٥).
واستدل أصحاب المذهب الأول بِمَا رواه أبو سلمة بن عَبْد الرَّحْمَان، عن جابر مرفوعًا: «الشفعة فِيْمَا لَمْ يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فَلاَ شفعة».
رَوَاهُ الشافعي (١٦) والطيالسي (١٧) وعبد الرزاق (١٨) وأحمد (١٩) وعبد بن حميد (٢٠) والبخاري (٢١) وأبو داود (٢٢) وابن ماجه (٢٣) والترمذي (٢٤) وابن الجارود (٢٥) والدولابي (٢٦)
_________________
(١) الإمام أَبُو مُحَمَّد عَبْد الملك بن أَبِي سليمان العَرْزَمي الكوفي: صدوق لَهُ أوهام، توفي سنة (١٤٥ هـ). تهذيب الكمال ٤/ ٥٥٥ و٥٥٧ (٤١٢٠)، وسير أعلام النبلاء ٦/ ١٠٧ و١٠٩، والتقريب (٤١٨٤).
(٢) في مسنده (١٦٧٧).
(٣) في مصنفه (١٤٣٩٦).
(٤) في مصنفه (٢٢٧١٣).
(٥) في مسنده ٣/ ٣٠٣.
(٦) في سننه (٢٦٣٠).
(٧) في سننه (٣٥١٨).
(٨) في سننه (٢٤٩٤).
(٩) في جامعه (١٣٦٩).
(١٠) (٣٨٦).
(١١) في الكبرى، كَمَا في تحفة الأشراف (٢٤٣٤)، وَقَدْ أحال عَلَيْهِ في موضعين، وَلَمْ أقف عَلَيْهِمَا في المطبوع من الكبرى.
(١٢) في شرح المعاني ٤/ ١٢٠ و١٢١.
(١٣) في الأوسط (٥٤٥٦).
(١٤) في سننه ٦/ ١٠٦.
(١٥) في التمهيد ٧/ ٤٧.
(١٦) في مسنده (١٤٩٠) بتحقيقنا.
(١٧) في مسنده (١٦٩١).
(١٨) في مصنفه (١٤٣٩١).
(١٩) في مسنده ٣/ ٢٩٦ و٣٧٢ و٣٩٩.
(٢٠) في المنتخب (١٠٨٠).
(٢١) في صحيحه ٣/ ١٠٤ (٢٢١٣) و(٢٢١٤)، و٣/ ١١٤ (٢٢٥٧)، و٣/ ١٨٣ (٢٤٩٥) و(٢٤٩٦)، و٩/ ٣٥ (٦٩٧٦).
(٢٢) في سننه (٣٥١٤).
(٢٣) في سننه (٢٤٩٩).
(٢٤) في جامعه (١٣٧٠).
(٢٥) في المنتقى (٦٤٣).
(٢٦) الإمام الحَافِظ أبو بشر مُحَمَّد بن أحمد بن حماد الدولابي، ولد سنة (٢٢٤ هـ)، وَكَانَ حسن التصانيف ومن مصنفاته: " الكنى والأسماء "، مات سنة (٣١٠ هـ). تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٥٩ و٧٦٠، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ٣٠٩ - ٣١٠، والأعلام ٥/ ٣٠٨.والحديث أخرجه في الكنى ٢/ ١٥٠
[ ١٦٤ ]
والطحاوي (١) وابن حبان (٢) وابن عدي (٣) والدارقطني (٤) والبيهقي (٥) والبغوي (٦).
وجه الدلالة من هَذَا الْحَدِيْث: أن الأملاك إذا استقلت وتحدد كُلّ مِنْهَا، فَلاَ يبقى هناك مجال للشفعة، وهذا حال الجار، إذ مُلْكُهُ بيِّنٌ واضِحٌ (٧).
وأجابوا عن الْحَدِيْث الَّذِي استدل بِهِ أصحاب المذهب الثاني بعدة أمور، مِنْهَا:
معارضته لما هُوَ أصح مِنْهُ، وَهُوَ حَدِيْث جابر الَّذِي استدلوا بِهِ، قَالَ ابن القيم:
«والذين ردوا حَدِيْث عَبْد الملك بن أبي سليمان ظنوا أنَّهُ معارض لحديث جابر الَّذِي رَوَاهُ أبو سلمة عَنْهُ: «الشفعة فِيْمَا لَمْ يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، فَلاَ شفعة».
وفي الحقيقة لا تعارض بَيْنَهُمَا، فإن منطوق حَدِيْث أبي سلمة انتفاء الشفعة عِنْدَ تمييز الحدود وتصريف الطرق، واختصاص كُلّ ذي ملك بطريق، ومنطوق حَدِيْث عَبْد الملك: إثبات الشفعة بالجوار عِنْدَ الاشتراك في الطريق، ومفهومه: انتفاء الشفعة عِنْدَ تصريف الطرق، فمفهومه موافق لمنطوق حَدِيْث أبي سلمة وأبي الزبير، ومنطوقه غَيْر معارض لَهُ، » (٨).