اشتراط الولي في النكاح
اختلف الفقهاء في اشتراط إذن الولي لصحة عقد النكاح عَلَى قولين:
الأول: لا يصح عقد النكاح من غَيْر ولي، وَهُوَ شرط في صحة العقد.
وبهذا قَالَ الجُمْهُوْر، وَهُوَ مروي عن: عمر وعلي وابن مسعود وابن عَبَّاسٍ وأبي هُرَيْرَةَ وعائشة. وبه قَالَ: سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عَبْد العزيز وجابر بن زيد (٤) والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن المبارك وعبيد الله العنبري وإسحاق بن
_________________
(١) تيسير التحرير ٣/ ٧١، وفواتح الرحموت ٢/ ١٦٣.
(٢) أثر علل الْحَدِيْث في اختلاف الفقهاء: ١٧٥.
(٣) إعلام الموقعين ٣/ ٥٢.
(٤) هُوَ أبو الشعثاء، جابر بن زيد الأزدي اليحمدي، مولاهم، البصري الخَوفي، وَهُوَ من كبار تلامذة ابن عَبَّاسٍ، توفي سنة (٩٣ هـ)، وَقِيْلَ: (١٠٣ هـ). طبقات ابن سعد ٧/ ١٧٩و١٨٢،وسير أعلام النبلاء ٤/ ٤٨١و٤٨٣،وطبقات الفقهاء، للشيرازي:٩٢.
[ ١٦٧ ]
راهويه وأبو عبيد. وَقَد روي عن ابن سيرين والقاسم بن مُحَمَّد والحسن بن صالح (١).
وإليه ذهب الشافعية (٢) والمالكية (٣) والحنابلة (٤) والظاهرية (٥) والزيدية (٦).
وَقَالَ الصاحبان: لا يصح النكاح إلا بولي، فإذا رضي الولي جاز، وإن أبى - والزوج كفوء - أجازه الْقَاضِي (٧).
الثاني: يجوز للمرأة أن تزوج نفسها مِمَّنْ تشاء، وَلَيْسَ للولي أن يعترض عَلَيْهَا، إذا وضعت نفسها حَيْثُ ينبغي أن تضعها.
وَهُوَ مروي عن الزهري والشعبي (٨).
وإليه ذهب أبو حَنِيْفَةَ وزفر (٩).
وأما الإمامية ففصلوا بَيْنَ الثيّب والبكر، فإن كَانَتْ بكرًا رشيدة فَقَد اختلف فقهاؤهم فِيْهَا عَلَى أقوال:
١ - ثبوت الولاية لنفسها في العقد الدائم والمؤقت.
٢ - ثبوت الولاية لنفسها في العقد الدائم دُوْنَ المنقطع.
٣ - عكس الَّذِي قبله، أي: ثبوت الولاية لنفسها في العقد المؤقت دُوْنَ الدائم.
٤ - لَيْسَ لها ولاية عَلَى نفسها سواء كَانَ العقد دائمًا أو منقطعًا، إذا كَانَ الولي الأب أو الجد للأب.
٥ - الكل شركاء في حق الولاية، فَلاَ يمضي العقد إلا برضا الْجَمِيْع.
فإن عضلها الولي، وَكَانَ المتقدّم كفوءًا، وكانت راغبة في الزواج مِنْهُ، فلها أن تُزَوِّج نفسها إجماعًا في المذهب (١٠).
أما الصغيرة فتثبت ولاية الأب والجد للأب عَلَيْهَا بكرًا كَانَتْ أو ثيّبًا، وإذا زوجها
_________________
(١) الإشراف لابن المنذر ٤/ ٣٣، والتمهيد ١٩/ ٨٤، والمغني ٧/ ٣٣٧.
(٢) الحاوي الكبير ١١/ ٢٠٤، والتهذيب ٥/ ٢٤٢، وشرح المنهج مَعَ حاشية الجمل ٤/ ١٣٣، وكفاية الأخيار ٢/ ٨٧.
(٣) المدونة ٢/ ١٦٥، والقوانين الفقهية: ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٤) المغني ٧/ ٣٣٧، والكافي ٣/ ١٠، والمقنع: ٢٠٨، والمحرر ٢/ ١٥، والمبدع ٧/ ٢٧.
(٥) المحلى ٩/ ٤٥١.
(٦) السيل الجرار ٢/ ٢٦٣.
(٧) شرح معاني الآثار ٣/ ٧، والاستذكار ٤/ ٣٩٥.
(٨) الاستذكار ٤/ ٣٩٥.
(٩) شرح معاني الآثار ٣/ ٧، والهداية ١/ ١٩٦، والاختيار ٣/ ٩٠، وبدائع الصنائع ٢/ ٢٤٢، ورد المحتار ٣/ ٥٥ - ٥٦، وتبيين الحقائق ٢/ ١١٧.
(١٠) شرائع الإسلام ٢/ ٢٢٩، وانظر: من لا يحضره الفقيه ٣/ ٢٤٥، والاستبصار ٣/ ٢٤٠.
[ ١٦٨ ]
أحدهما وَهِيَ صغيرة لزمها عقده، ولا خيار لها إذا بلغت عَلَى الأشهر عندهم (١).
وإذا كَانَتْ ثيّبًا بالغةً فليس لأحد ولاية عَلَيْهَا (٢).
واستدل القائلون بالاشتراط بحديث عَائِشَة ﵂ عن رَسُوْل الله - ﷺ -: «أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل، ثلاث مرات، فإن دخل بِهَا فلها المهر بِمَا أصاب مِنْهَا، فإن تشاجروا فالسلطان ولي مَن لا ولي لَهُ».
رَوَاهُ الشَّافِعِيّ (٣)، والطيالسي (٤)، وعبد الرزاق (٥)، والحميدي (٦)، وسعيد ابن مَنْصُوْر (٧)، وأحمد (٨)، والدارمي (٩)، وأبو داود (١٠)، وابن ماجه (١١)، والترمذي (١٢)، والنسائي (١٣)، وأبو يعلى (١٤)، وابن الجارود (١٥)، والطحاوي (١٦)، وابن حبان (١٧)، وابن عدي (١٨)، والدارقطني (١٩)، والحاكم (٢٠)، والسهمي (٢١)، وأبو نعيم (٢٢)، والبيهقي (٢٣)، والخطيب (٢٤)، وابن عَبْد البر (٢٥)، والبغوي (٢٦).
_________________
(١) شرائع الإسلام ٢/ ٢٢٨، وانظر: من لا يحضره الفقيه ٣/ ٢٤٥، والاستبصار ٣/ ٢٤١.
(٢) من لا يحضره الفقيه ٣/ ٢٤٦، والاستبصار ٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨، وتهذيب الأحكام ٧/ ٣٣٧ فما بعدها.
(٣) في مسنده (١١٣٩) و(١١٤٠) بتحقيقنا.
(٤) في مسنده (١٤٦٣).
(٥) في مصنفه (١٠٤٧٢).
(٦) في مسنده (٢٢٨).
(٧) في سننه (٥٢٨).
(٨) في مسنده ٦/ ٤٧ و٦٦ و١٦٥.
(٩) في سننه (٢١٩٠).
(١٠) في سننه (٢٠٨٣).
(١١) في سننه (١٨٧٩).
(١٢) في جامعه (١١٠٢).
(١٣) في الكبرى (٥٣٩٤).
(١٤) في مسنده (٤٦٨٢) و(٤٧٥٠) و(٤٨٣٧).
(١٥) في المنتقى (٧٠٠).
(١٦) في شرح معاني الآثار ٣/ ٧.
(١٧) في الإحسان (٤٠٧٤).
(١٨) في الكامل ٣/ ٤٣٥.
(١٩) في سننه ٣/ ٢٢١.
(٢٠) في مستدركه ٢/ ١٦٨.
(٢١) هُوَ الحَافِظ المتقن، أَبُو القاسم حمزة بن يوسف بن إبراهيم القرشي السهمي، محدّث جرجان، صاحب " تاريخ جرجان "، توفي سنة (٤٢٨ هـ)، وَقِيْلَ: (٤٢٧ هـ). الأنساب ٣/ ٣٦٩، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٤٦٩ و٤٧١، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٨٩. والحديث أخرجه في تاريخ جرجان: ٣١٥ - ٣١٦.
(٢٢) في الحلية ٦/ ٨٨.
(٢٣) ٧/ ١٠٥ و١٣٨.
(٢٤) في الكفاية: (٥٤٢ ت، ٣٨٠ هـ).
(٢٥) في التمهيد ١٩/ ٨٥ - ٨٧.
(٢٦) في شرح السنة (٢٢٦٢).
[ ١٦٩ ]
وَقَدْ أجاب أصحاب المذهب الثاني عن هَذَا الْحَدِيْث، بأنه قَدْ عارضه فعلها، وأنها فعلت خلاف ما روت، فَقَالَ الطحاوي: «ثُمَّ لَوْ ثبت ما رووا من ذَلِكَ عن الزهري، لكان قَدْ روي عن عَائِشَة - ﵂ - ما يخالف ذَلِكَ» (١).
ثُمَّ رَوَى من طريق مالك، أن عَبْد الرَّحْمَان بن القاسم أخبره، عن أبيه، عن عَائِشَة زوج النَّبِيّ - ﷺ - أنها زوجت حفصة بنت عَبْد الرَّحْمَان (٢)، المنذر بن الزبير (٣)، وعبد الرَّحْمَان غائب بالشام.
فلما قدم عَبْد الرَّحْمَان قَالَ: أمثلي يصنع بِهِ هَذَا، ويفتات (٤) عَلَيْهِ؟ فَكُلِّمَتْ عَائِشَة عن المنذر، فَقَالَ المنذر: إن ذَلِكَ بيد عَبْد الرَّحْمَان، فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَان: ما كنت أرد أمرًا قضيته، فقرت حفصة عنده، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طلاقًا» (٥).
فلولا أنها كَانَتْ ترى عدم اشتراط الولي لصحة عقد النكاح، لما فعلته مع ابنة أخيها، وهذا يدل عَلَى وجود ناسخ أو تأويل لما روته من اشتراطه.
ورد الجُمْهُوْر هَذَا الاستدلال: بأنه لَيْسَ في خبر عَائِشَة هَذَا التصريح بأنها باشرت العقد بنفسها، فَقَدْ تَكُوْن مهدت لأسبابه، فإذا جاء العقد أحالته إِلَى الولي بدليل ما روي عن عَبْد الرَّحْمَان بن القاسم، قَالَ: «كنت عِنْدَ عَائِشَة يخطب إليها المرأة من أهلها فتشهد، فإذا بقيت عقدة النكاح، قالت لبعض أهلها: زَوّج فإن المرأة لا تلي عقد النكاح» (٦).
فإذا علمنا أن مذهبها هَذَا الَّذِي رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَان بن القاسم عَنْهَا، اتَّضح أن مراد الرَّاوِي بقوله: «زوجت حفصة»، أي: هيأت الأسباب، فانتفت المخالفة المظنونة، لما روت عن رَسُوْل الله - ﷺ -.
_________________
(١) شرح معاني الآثار ٣/ ٨.
(٢) هِيَ حفصة بنت عَبْد الرحمان بن أَبِي بكر الصديق: ثقة. الثقات ٤/ ١٩٤، وتهذيب الكمال ٨/ ٥٢٦ (٨٤١١)، والتقريب (٨٥٦٢).
(٣) أبو عثمان المنذر بن الزبير بن العوام القرشي، قتل سنة (٦٤ هـ). طبقات ابن سعد ٥/ ١٨٢، والثقات ٥/ ٤٢٠، وسير أعلام النبلاء ٣/ ٣٨١.
(٤) افتات في الأمر: استبد بِهِ، وَلَمْ يستشر من لَهُ الرأي فِيْهِ. ويقال: افتات عَلَيْهِ فِيْهِ، وفلان لا يفتات عَلَيْهِ: لا يفعل الأمر دُوْنَ مشورته. المعجم الوسيط ٢/ ٧٠٥.
(٥) شرح معاني الآثار ٣/ ١٨. وانظر نصب الراية ٣/ ١٨٦، وتحفة الأحوذي ٤/ ٢٢٩.
(٦) نصب الراية ٣/ ١٨٦، وفتح الباري ٩/ ١٨٦.
[ ١٧٠ ]